ثمَّ ذكر حديث أبي سعيد٢: "إذا كنتَ في غنمك وباديتك٣، فأذَّنتَ بالصلاة، فارفع صوتَك بالنِّداءِ٤؛ فإنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذِّن جنّ ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" سمعته من رسول اللَّه ﷺ. هذا ما ذكره في الباب.
وقد ذهب جمهور النَّاس إلى أنَّ مؤمنيهم في الجنَّة. وحكي عن أبي حنيفة وغيره أنَّ ثوابهم نجاتهم من النَّار. واحتُجَّ لهذا القول٥ بقوله تعالى حكايةً عنهم: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ٣١﴾٦[الأحقاف/ ٣١] فجعل غاية ثوابهم إجارتَهم من العذاب الأليم. وأمَّا الجمهور فقالوا: مؤمنهم في الجنَّة، كما أنَّ كافرهم في النَّار٧. ثمَّ اختلفوا فأطلق أكثر النَّاس دخولَ الجنَّة ولم يقيِّدوه. وقال سهل بن عبد اللَّه: يكونون في رَبَض الجنَّة،
= هنا موافق لمتن الصحيح في الفتح (٦/ ٣٤٦).
(١) "ب": "سيحضرون".
(٢) برقم (٣٢٩٦).
(٣) "ط": "أو باديتك".
(٤) "بالنداء" سقط من "ف" سهوًا.
(٥) "القول" ساقط من "ط".
(٦) لم يثبت الآية كاملة في "ك". وكذا في "ط".
(٧) ذكر المؤلف في مفتاح دار السعادة (١/ ١٨٩ - ١٩٤) عشرة دلائل على قول الجمهور.
يراهم المؤمنون من حيث لا يرونهم١.
فهذه مذاهب النَّاس في أحكامهم في الآخرة.
وأمَّا أحكامهم في الدنيا فاختلف النَّاس: هل هم مكلَّفون بالأمر والنَّهي، أم مضطرُّون إلى أفعالهم؟٢ على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في كتاب "المقالات" له فقال: واختلف النَّاس في الجنّ، هل هم مكلَّفون، أم مضطرّون؟ فقال٣ قائلون من المعتزلة وغيرهم: هم مأمورون منهِيُّون، وقد أمروا ونُهوا، وهم مختارون. وزعم زاعمون أنَّهم مضطرُّون٤.
قلت: الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنَّهم مأمورون منهيُّون مكلَّفون بالشريعة الإسلامية. وأدلَّة القرآن والسنَّة على ذلك أكثر من أن تحصر. فإضافة هذا القول إلى المعتزلة بمنزلة أن يقال: ذهبت المعتزلة إلى القول بمعاد الأبدان ونحو ذلك ممَّا هو من أقوال سائر أهل الإسلام.
(١) في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٣٣) أنه حديث رواه الطبراني، وقال في (١٩/ ٣٩): "وقد روي" من غير عزو. ولم أجده في معاجم الطبراني وغيرها. وذكر الحافظ في الفتح (٦/ ٣٤٦) أن هذا القول منقول عن مالك وطائفة. وأن بعضهم قال إنهم من أصحاب الأعراف. وبعضهم رأى التوقف. فهي أربعة أقوال.