وأمَّا أحكامهم في الدنيا فاختلف النَّاس: هل هم مكلَّفون بالأمر والنَّهي، أم مضطرُّون إلى أفعالهم؟٢ على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في كتاب "المقالات" له فقال: واختلف النَّاس في الجنّ، هل هم مكلَّفون، أم مضطرّون؟ فقال٣ قائلون من المعتزلة وغيرهم: هم مأمورون منهِيُّون، وقد أمروا ونُهوا، وهم مختارون. وزعم زاعمون أنَّهم مضطرُّون٤.
قلت: الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنَّهم مأمورون منهيُّون مكلَّفون بالشريعة الإسلامية. وأدلَّة القرآن والسنَّة على ذلك أكثر من أن تحصر. فإضافة هذا القول إلى المعتزلة بمنزلة أن يقال: ذهبت المعتزلة إلى القول بمعاد الأبدان ونحو ذلك ممَّا هو من أقوال سائر أهل الإسلام.
(١) في مجموع الفتاوى (٤/ ٢٣٣) أنه حديث رواه الطبراني، وقال في (١٩/ ٣٩): "وقد روي" من غير عزو. ولم أجده في معاجم الطبراني وغيرها. وذكر الحافظ في الفتح (٦/ ٣٤٦) أن هذا القول منقول عن مالك وطائفة. وأن بعضهم قال إنهم من أصحاب الأعراف. وبعضهم رأى التوقف. فهي أربعة أقوال.
(٢) "ك": "هم مضطرون". "ط": "هم مضطرون على. . . ".
(٣) "ف": "قال"، سهو.
(٤) مقالات الإسلاميين. (٤٤٠).
الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾١[الأحقاف/ ١٨] فأخبر أنَّ منهم من حقَّ عليه القول، أي: وجب عليه العذاب، وأنَّه خاسر، ولا يكون ذلك إلا في أهل التكليف المستوجبين للعقاب٢ بأعمالهم. ثمَّ قال بعد ذلك ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾[الأحقاف/ ١٩] أي: في الخير والشرّ يُوفَّونها ولا يُظلمون شيئًا من أعمالهم. وهذا ظاهر جدًّا في ثوابهم وعقابهم، وأنَّ مسيئهم كما يستحقّ العذاب بإساءته، فمحسنهم يستحقّ الدرجات بإحسانه، فلكلٍّ٣ درجاتٌ ممَّا عملوا. فدلّ ذلك لا محالة أنَّهم كانوا مأمورين بالشرائع، متعبِّدين بها في الدنيا، ولذلك استحقُّوا الدرجات بأعمالهم في الآخرة في الخير والشرّ.
ومعنى الآية: أنَّ اللَّه قيَّض للمشركين -أي: سبَّب لهم- قرناءَ من الشياطين يزيّنون لهم ما بين أيديهم من اللذات في الدنيا٥، وما خلفهم من التكذيب بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب.
وقيل عكس هذا، وأنَّ ما بين أيديهم هو التكذيب بالآخرة، وما
(١) لم يثبت في "ك": "كانوا خاسرين"، وكتب مكانها "الآية"، وكذا في "ط".
(٢) "ك، ط": "العقاب".
(٣) "ك، ط": "ولكل".
(٤) هنا أيضًا نقل الآية في "ك" إلى "والإنس" ثم كتب: "الآية". وكذا في "ط".