ﷺ: "اجْلِسْ". ثم قال: "مَن يحلُبُ هذه؟ " فقام رجل آخر، فقال له رسول الله ﷺ: "ما اسمُك؟ " فقال: حَرْبٌ. فقال له رسول الله ﷺ: "اجْلِس"، ثم قال: "مَنْ يَحْلُبُ هذه؟ " فقام رجل آخر١، فقال له رسول الله ﷺ: "ما اسمُك؟ " فقال: يعيشُ، فقال له النبيُّ ﷺ: "احلُبْ". رواه مُرْسَلًا في "موطئه"٢.
وأسنده ابن وَهْبٍ في "جامعه"٣ فقال: حدّثني ابنُ لَهِيعَة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الرَّحمن بن جُبير، عن يعيش الغِفَارِيِّ، قال: دعا النبيُّ ﷺ يومًا بناقةٍ، فقال: "من يَحلُبُها؟ " فقام رجل، فقال: "ما اسمُكَ؟ " قال: مُرَّة، قال: "اقعُدْ"، فقام آخر فقال: "ما اسمُك؟ " قال: جَمْرَةٌ، قال: "اقْعُدْ". ثم قام رجل، فقال: "ما اسمك؟ " قال: يعيش، قال: "احْلُبْهَا".
قال أبُو عُمَر: "وهذا من باب الفَأْل الحَسَن، لا من باب الطِّيَرَةِ"٤.
وعندي فيه وجهٌ آخر: وهو أنَّ بين الاسمِ والمُسمَّى علاقةً ورابطةً تُنَاسِبُه وقلَّما يتخلَّف ذلك؛ فالألفاظُ قَوَالِبُ المعاني، والأسماءُ قَوالبُ المسمَّيات.
(١) ساقطة من "أ".
(٢) في كتاب الاستئذان، باب ما يكره من الأسماء: ٢/ ٣٨٢ برقم (٣٠٦٢). وعبدالرزاق في المصنف: ١١/ ٤١ ووصله ابن عبدالبر. انظر: التمهيد: ٢٤/ ٧٢، والاستذكار: ١٠/ ٢٦٩. واللّقحة - بكسر اللام وفتحها ـ: الناقة قريبة العهد بالنتاج، وكثيرة اللبن.
فقُبحُ الاسمِ عنوانُ قُبحِ المسمَّى، كما أنَّ قُبْح الوجه عنوان قبح الباطن٢.
ومن هاهنا - والله أعلم - أخذ عمرُ بن الخطَّاب ﵁ ما ذكره مالكٌ عنه، أنه قال لرجلٍ: ما اسمُك؟ فقال: جَمْرَةٌ، فقال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ شِهاب، قال: ممَّن؟ قال: من الحُرَقَةِ، قال: أين مَسكنُكَ؟ قال: بِحَرَّةِ النار، قال: بأيِّتها؟ قال: بِذَاتِ لَظًى. فقال عمر: أدركْ أهلك فقدِ احْتَرَقُوا. فكان كما قال عمرُ بنُ الخطابِ٣﵁.
وقد ذكر ابنُ أبي خَيثَمةَ من حديث بُرَيدَةَ: كان رسولُ الله ﷺ لا يتطيَّر، فَرَكِبَ بُرَيْدَةُ في سبعينَ راكبًا من أهل بيتِهِ من بني أَسْلَمَ٤، فَلَقِيَ النبيَّ ﷺ ليلًا فقال له النبيُّ ﷺ: "مَنْ أَنْتَ؟ " قال: أنا بُرَيدَةُ، فالتفتَ إلى أبي بكر وقال: "يا أبا بكر بَرَدَ أمْرُنا وصَلُحَ٥ ". ثمَّ قال: "ممَّن؟ " قلت:
(١) قاله بعض أصحاب ثعلب، كما في "نور القبس" للحافظ اليغموري، ص (٣٣٢) بلفظ: وقَلَّما أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ ... إلَّا ومعناهُ، إنْ فَتَّشتَ، في لَقَبِهْ
(٢) انظر: زاد المعاد: ٢/ ٢٣٦، ومفتاح دار السعادة: ٢/ ٢٥٩.
(٣) رواه مالك في كتاب الاستئذان، باب ما يكره من الأسماء: ٢/ ٣٨٢.