تحفة المودود

وهذا لأنها سُنَّةٌ ونسيكةٌ مشروعةٌ بسبب تجدُّدِ نعمةِ الله على الوالدَيْنِ، وفيها سرٌّ بديعٌ موروثٌ عن فداء إسماعيل بالكبشِ الذي ذُبِحَ عنهُ وفدَاه اللهُ به، فصار سنةً في أولاده بعده: أن يفدي أحدُهم عند ولادته بذِبْحٍ يُذْبَحُ عنه١.

ولا يُستنكَر أن يكونَ هذا حِرْزًا له من ضَررِ٢ الشيطانِ بعد ولادتِه، كما كان ذكرُ اسمِ الله عند وَضْعِه في الرَّحمِ حرزًا له من ضررِ الشيطانِ؛ ولهذا قلَّ من يتركُ أبواه العقيقةَ عنه إلا وهو في تخبيطٍ من الشيطانِ.

وأسرارُ الشَّرع أعظمُ من هذا، ولهذا كان الصوابُ أنَّ الذكر والأنثى يشتركانِ في مشروعية العقيقة وإن تَفاضَلا في قَدْرِهَا.

وأما أهلُ الكتابِ، فليست العقيقةُ عندهم للأنثى، وإنَّما هي للذَّكَرِ خاصَّة. وقد ذهبَ إلى ذلك بعضُ السَّلَفِ.

قال أبو بكر ابنُ المُنْذِر: "وفي هذا الباب قولٌ ثالثٌ قاله الحَسَنُ وقَتَادَةُ: كانا لا يريان عن الجَارِيَة عَقِيقةً"٣.

  1. (١) يذبح عنه. ساقط من "أ".
  2. (٢) ساقط من "أ، د".
  3. (٣) الإشراف على مذاهب العلماء، لابن المنذر: ٣/ ٤١٥. وانظر: التمهيد: ٤/ ٣١٧، والاستذكار: ٥/ ٥٥٠ - ٥٥٤، ومصنف عبدالرزاق: ٤/ ٣٣١، ومصنف ابن أبي شيبة: ١٢/ ٣٣١، والمحلى: ٧/ ٥٢٣.
91

وهذا قولٌ ضعيفٌ لا يُلْتفَتُ إليه، والسنَّة تخالفُه من وجوهٍ - كما سيأتي١ في الفصل الذي بعد هذا ـ.

فكان الذبحُ في موضعهِ أفضلَ من الصَّدقة بثمنه ولو زادَ، كالهدايا والأضَاحِي، فإنَّ نَفْسَ الذَّبحِ وإراقةِ الدم مقصودٌ، فإنه عبادةٌ مقرونةٌ بالصلاة، كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر/٢].

وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام/ ١٦٢].

ففي كلّ مِلَّةٍ صلاةٌ ونَسِيكَةٌ لا يقوم غيرُهما مقامَهما، ولهذا لو تصدَّق عن دمِ المُتْعَةِ والقِرَان بأضعافِ أضعاف القيمةِ لم يقُمْ مقامَهُ، وكذلك الأضحيةُ، والله أعلم.

  1. (١) ساقط من "ب"، وجاءت في "ج" في آخر الفقرة.
92

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي