قال: وكان عبد الله بن عمر يَعُقُّ عن الغلمان والجواري من ولدهِ شاةً شاةً. وبه قال أبو جعفر محمَّد بنُ عليّ بن حسين بن عليٍّ ﵃ أجمعين - كقول مالك سواء"١.
قال أبو عُمَر٢: "وقال ابن عبَّاس، وعائشة، وجماعة من أهل الحديث: عن الغُلام شاتان، وعن الجارية شاة. ثم ذكَرَ طرقَ٣ حديثِ أمِّ كُرْزٍ، وحديث عَمْروِ بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه يَرْفَعُهُ: "مَنْ أحبَّ أنْ يَنْسُكَ عن وَلَدِهِ فَلْيفعلْ: عنِ الغُلامِ شاتانِ، وعنِ الجَارِيَة شاةٌ".
ولا تَعَارُضَ بين أحاديثِ التفضيلِ بين الذَّكَرِ والأُنثَى، وبين حديثِ ابنِ عبَّاسٍ في قصة الحَسَنِ والحُسَين؛ فإنَّ حديثَه قد رُوِي بلفظين: أحدُهما: "أنَّه عقَّ عنهما كبشًا كبشًا". والثاني: "أنه عقَّ عنهما كبشينِ". ولعلَّ الراوي أراد: كبشين عن كلِّ واحدٍ منهما، فاقتصر على قوله: كبشين، ثم روى بالمعنى: كبشًا كبشًا.
وعندي فيه جوابٌ أحسن من هذا: وهو أن النبيَّ ﷺ ذبحَ عن كلِّ
(٢) انظر: التمهيد: ٤/ ٣١٧. وهذه هي المسألة الثانية في هذا الفصل، فقد نص على الأولى في أوله، ثم بين هنا تفاضل الذكر والأنثى. وذكر في زاد المعاد ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٢ ثمانية وجوه لترجيح أحاديث التفضيل وأنه الأولى بالأخذ.
(٣) في "ب": طرف
واحدٍ كبشًا١، وذبحتْ أمُّهما عنهما كبشين. والحديثان كذلك رُوِيَا، فكان أحدُ الكبشينِ من النبيّ ﷺ، والثاني من فاطمةَ. واتفقتْ جميعُ الأحاديثِ.
وهذه قاعدةُ الشريعةِ، فإنَّ الله - سبحانه - فاضلَ بين الذَّكَرِ والأنثى، وجعل الأنثى على النِّصف من الذَّكَر في المواريث، والدِّيَات، والشَّهاداتِ، والعِتْقِ، والعَقِيقَةِ، كما رواه التّرمذيّ٢، وصححه من حديث أبي أُمامةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "أيُّما امرئ مُسلمٍ أَعْتَقَ مُسلمًا، كان فِكَاكَهُ من النَّار، يجزئ كلُّ عضوٍ منه عضوًا منه، وأيُّما امرئ مُسلم أعتق امرأتين مسلمتَينِ كانتا فِكَاكَهُ من النَّار، يجزئُ كلُّ عضوٍ منهما عضوًا منه".
وفي "مسند الإمام أحمدَ"٣ من حديث مُرَّةَ بنِ كعبٍ السُّلَمِيّ، عن النبيّ ﷺ: "أيُّما رجلٍ أعتقَ رجلًا مُسْلِمًا كان فِكَاكَهُ من النَّار، يُجْزَى بكلِّ عضوٍ من أَعْضَائِهِ عُضْوًا مِنْ أَعْضِائهِ، وأيُّما امرأةٍ مُسْلِمةٍ أعتقتِ امرأةً مُسْلِمةً كانتْ فِكَاكَهِا مِنَ النَّار، تُجْزَى بكلَّ عضوٍ من أعْضَائِهَا
(١) من قوله: وعندي فيه ... إلى هنا. ساقط من "ب".
(٢) في النذور والأيمان، باب ما جاء في فضل من أعتق: ٥/ ١٥١ وقال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه".
(٣) مسند الإمام أحمد: ٤/ ٢٣٥ و٢٣٦، وفي طبعة الرسالة: ٢٩/ ٥٩٩ - ٦٠٠.