تحفة المودود

"مرتهنٌ بعقيقتهِ" قال: يُحْرَمُ شفاعةَ وَلَدِهِ.

ومن فوائدها: أنها فِدْيَةٌ يفدى بها المولودُ، كما فدَى اللهُ - سبحانه - إسماعيلَ الذبيح١ بالكَبْشِ، وقد كان أهلُ الجاهليَّةِ يفعلونَها ويسمُّونها عَقِيقَة، ويلطِّخُونَ رأسَ الصبيِّ بدمها، فأقرَّ رسول الله ﷺ الذَّبْحَ، وأبطل اسم العُقُوق ولطخ رأس الصبي بدمها، فقال: "لا أُحبُّ العُقُوقَ"٢، وقال: "لا يُمَسُّ رأسُه٣ بدمٍ". وأخبر ﷺ أنَّ ما يُذبَحُ عن المولود، إنّما ينبغي أن يكونَ على سبيل النُّسُك كالأُضحية والهَدْي، فقال: "مَنْ أحبَّ أن يَنْسُكَ عن وَلَدِه فلْيَفعَلْ" فجعلها على سبيل الأُضحية التي جعلَها اللهُ نسكًا وفداءً لإسماعيل ﵇ وقربة إلى الله ﷿، وغير مُستَبعَدٍ في حكمة الله في شَرْعِهِ وقدَرِه، أن يكونَ سببًا لحُسْن إنباتِ الولدِ، ودوامِ سلامتِه، وطولِ حياته، وحفظِه من ضرر الشيطان، حتى يكون كلُّ عضوٍ منها فداءَ كلِّ عضوٍ منه، ولهذا يُستحبُّ أن يُقالَ عليها ما يُقالُ على الأضحيةِ.

قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: إذا أراد الرجلُ أن يَعُقَّ كيف يقول؟

  1. (١) "الذبيح" ليست في "ب، ج".
  2. (٢) في "أ": اسم العقوق.
  3. (٣) في "د": رأس الصبي.
99

قال: يقول: باسم الله، ويذبحُ على النيَّة، كما يضحِّي بنيَّتِهِ، يقول: هذه عَقِيقَةُ فلانِ بنِ فلانٍ، ولهذا يقول فيها: اللهمَّ منكَ ولكَ.

ويُستحبُّ فيها ما يستحبُّ في الأضحيةِ، من الصدقة، وتفريقِ اللحمِ. فالذبيحةُ عن الولد، فيها معنى القُربانِ والشُّكران، والفِداء، والصدقةِ، وإطعامِ الطعام عند حوادث السرور العظام، شكرًا لله، وإظهارًا لنعمته التي هي غاية المقصود من النكاح، فإذا شُرِعَ الإطعامُ للنكاح الذي هو وسيلةٌ إلى خروجِ هذه النّسَمَة١، فَلأَنْ يُشرعَ عند الغاية المطلوبةِ أَوْلَى وأَحْرَى٢.

وشُرِع بوصف الذَّبح المتضمنِ لما ذكرناه من الحِكَمِ٣، فلا أحسنَ ولا أحلَى في القلوبِ من مثل هذه الشريعةِ في المولودِ!

وعلى نحو هذا جرتْ سنَّة الولائم في المناكح وغيرها، فإنَّها إظهارٌ للفرحِ والسُّرور بإقامةِ شَرائعِ الإسلامِ وخروجِ نَسَمَةٍ مُسْلِمةٍ يُكاثِرُ بها رسولُ الله ﷺ الأُممَ يومَ القيامة، تعبُّدًا لله، ويُرَاغِمُ عدوَّه.

ولما أقرَّ رسولُ الله ﷺ العَقِيقَةَ في الإسلامِ، وأكَّد أمْرَهَا، وأخبرَ أنَّ الغُلامَ مُرتَهنٌ بها: نَهَاهُمْ أن يجعلوا على رأس الصبيِّ من الدَّمِ شيئًا،

  1. (١) في "ب": حصول هذه النعمة.
  2. (٢) انظر: المغني لابن قدامة: ١٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠.
  3. (٣) في "أ": الحكمة.
100

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي