تحفة المودود

قال: يقول: باسم الله، ويذبحُ على النيَّة، كما يضحِّي بنيَّتِهِ، يقول: هذه عَقِيقَةُ فلانِ بنِ فلانٍ، ولهذا يقول فيها: اللهمَّ منكَ ولكَ.

ويُستحبُّ فيها ما يستحبُّ في الأضحيةِ، من الصدقة، وتفريقِ اللحمِ. فالذبيحةُ عن الولد، فيها معنى القُربانِ والشُّكران، والفِداء، والصدقةِ، وإطعامِ الطعام عند حوادث السرور العظام، شكرًا لله، وإظهارًا لنعمته التي هي غاية المقصود من النكاح، فإذا شُرِعَ الإطعامُ للنكاح الذي هو وسيلةٌ إلى خروجِ هذه النّسَمَة١، فَلأَنْ يُشرعَ عند الغاية المطلوبةِ أَوْلَى وأَحْرَى٢.

وشُرِع بوصف الذَّبح المتضمنِ لما ذكرناه من الحِكَمِ٣، فلا أحسنَ ولا أحلَى في القلوبِ من مثل هذه الشريعةِ في المولودِ!

وعلى نحو هذا جرتْ سنَّة الولائم في المناكح وغيرها، فإنَّها إظهارٌ للفرحِ والسُّرور بإقامةِ شَرائعِ الإسلامِ وخروجِ نَسَمَةٍ مُسْلِمةٍ يُكاثِرُ بها رسولُ الله ﷺ الأُممَ يومَ القيامة، تعبُّدًا لله، ويُرَاغِمُ عدوَّه.

ولما أقرَّ رسولُ الله ﷺ العَقِيقَةَ في الإسلامِ، وأكَّد أمْرَهَا، وأخبرَ أنَّ الغُلامَ مُرتَهنٌ بها: نَهَاهُمْ أن يجعلوا على رأس الصبيِّ من الدَّمِ شيئًا،

  1. (١) في "ب": حصول هذه النعمة.
  2. (٢) انظر: المغني لابن قدامة: ١٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠.
  3. (٣) في "أ": الحكمة.
100

وسنَّ لهم أن يجعلوا عليه شيئًا من الزَّعْفَرَانِ؛ لأنهم في الجاهليَّة إنَّما كانوا يلطِّخون رأسَ المولودِ بدم العَقِيقَةِ تبرُّكًا به، فإنَّ دمَ الذبيحةِ كان مباركًا عندهم، حتى كانوا يلطِّخون منه آلهتهم تعظيمًا لها وإكرامًا، فأُمِرُوا بترك ذلك، لما فيه من التشبُّه بالمشركين، وعُوِّضُوا عنه بما هو أنفع للأبَوَينِ وللمولودِ وللمساكين، وهو حَلْقُ رأسِ الطفل والتصدُّقُ بِزِنَةِ شعرِهِ ذهبًا أو فضةً. وسنَّ لهم أن يلطِّخوا الرأس بالزّعْفَران الطيِّبِ الرائحةِ، الحَسَنِ اللَّونِ، بدلًا عن الدَّم الخبيثِ الرائحة، النجسِ العينِ، والزَّعفرانُ من أطيبِ الطِّيب وألطفِه وأحسنِه لونًا. وكان حَلْقُ رأسه إماطةَ الأذى عنه، وإزالةَ الشَّعْرِ الضعيفِ، ليخلفه شَعْرٌ أقوى وأمْكَنُ منه، وأنفعُ للرأس، ومع ما فيه من التَّخفيف عن الصبيِّ، وفَتْحِ مَسَام الرّأسِ لِيَخْرجَ البخارُ منها بيُسرٍ وسهولةٍ، وفي ذلك تقويةُ بصرِه وشمِّه وسَمْعِهِ.

وشُرِعَ في المذبوح عن الذَّكَرِ أن يكون شاتين، إظهارًا لشرفه، وإبانة١ لمحلِّه الذي فضَّله الله به على الأُنثى، كما فضَّله في الميراث والدِّيَة والشَّهادةِ.

وشُرع أن تكون الشَّاتان مُكَافِئَتَيْنِ٢. قال أَحمد في رواية أبي داود: مُسْتَوِيَتَانِ أومُتَقارِبَتَان٣. وقال في رواية الميموني: مِثْلانِ.

  1. (١) في "أ": إباحة.
  2. (٢) في "د": مكافئتان.
  3. (٣) انظر: مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود، ص ٢٥٦.
101

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي