تحفة المودود

وسنَّ لهم أن يجعلوا عليه شيئًا من الزَّعْفَرَانِ؛ لأنهم في الجاهليَّة إنَّما كانوا يلطِّخون رأسَ المولودِ بدم العَقِيقَةِ تبرُّكًا به، فإنَّ دمَ الذبيحةِ كان مباركًا عندهم، حتى كانوا يلطِّخون منه آلهتهم تعظيمًا لها وإكرامًا، فأُمِرُوا بترك ذلك، لما فيه من التشبُّه بالمشركين، وعُوِّضُوا عنه بما هو أنفع للأبَوَينِ وللمولودِ وللمساكين، وهو حَلْقُ رأسِ الطفل والتصدُّقُ بِزِنَةِ شعرِهِ ذهبًا أو فضةً. وسنَّ لهم أن يلطِّخوا الرأس بالزّعْفَران الطيِّبِ الرائحةِ، الحَسَنِ اللَّونِ، بدلًا عن الدَّم الخبيثِ الرائحة، النجسِ العينِ، والزَّعفرانُ من أطيبِ الطِّيب وألطفِه وأحسنِه لونًا. وكان حَلْقُ رأسه إماطةَ الأذى عنه، وإزالةَ الشَّعْرِ الضعيفِ، ليخلفه شَعْرٌ أقوى وأمْكَنُ منه، وأنفعُ للرأس، ومع ما فيه من التَّخفيف عن الصبيِّ، وفَتْحِ مَسَام الرّأسِ لِيَخْرجَ البخارُ منها بيُسرٍ وسهولةٍ، وفي ذلك تقويةُ بصرِه وشمِّه وسَمْعِهِ.

وشُرِعَ في المذبوح عن الذَّكَرِ أن يكون شاتين، إظهارًا لشرفه، وإبانة١ لمحلِّه الذي فضَّله الله به على الأُنثى، كما فضَّله في الميراث والدِّيَة والشَّهادةِ.

وشُرع أن تكون الشَّاتان مُكَافِئَتَيْنِ٢. قال أَحمد في رواية أبي داود: مُسْتَوِيَتَانِ أومُتَقارِبَتَان٣. وقال في رواية الميموني: مِثْلانِ.

  1. (١) في "أ": إباحة.
  2. (٢) في "د": مكافئتان.
  3. (٣) انظر: مسائل الإمام أحمد، رواية أبي داود، ص ٢٥٦.
101

وفي رواية جعفر بن الحارث: تُشْبِهُ إحداهُما الأُخرى، لأنَّ كلَّ شاةٍ منهما لمَّا١ كانت بَدَلًا وفداءً، وجعلت الشاتان مكافئتين في الحُسْنِ٢ والسِّنّ، فجعلتا كالشَّاة الواحدة.

والمعنى: أنَّ الفداء لو وقع بالشاةِ الواحدةِ، لكان ينبغي أن تكونَ فاضلةً كاملةً، فلما وقع بالشَّاتين لم يُؤْمَنْ أن يُتَجَوَّز في إحداهما، ويُهَوَّنَ أمرُها، إذْ كان قد حصلَ الفداءُ بالواحدةِ، والأخرى كأنها تتمةٌ غير مقصودةٍ، فشُرِعَ أن تكونَا مُتكافِئَتَينِ دفعًا لهذا التَّوَهُّمِ.

وفي هذا تنبيهٌ على تهذيب العَقِيقَةِ من العيوبِ التي لا يصحُّ٣ بها القُرْبَانُ من الأضاحي وغيرها، ومنها فَكُّ رِهَانِ المولُودِ، فإنَّه مُرْتَهَنٌ بعقيقتهِ، كما قال النبيُّ ﷺ.

وقد اختُلِفَ في معنى هذا الحَبْسِ والارْتِهَانِ:

فقالت طائفةٌ: هو محبوسٌ مرتهنٌ عن الشَّفاعة لوالدَيه، كما قال عطاء، وتبعه عليه الإمامُ أَحمد٤.

  1. (١) في "ب": كذلك.
  2. (٢) في "أ": الجنس.
  3. (٣) في "ب": لا تصح.
  4. (٤) انظر: زاد المعاد للمصنف: ٢/ ٣٢٦، ومعالم السنن للخطابي: ٤/ ٢٦٤.
102

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي