فرَوَى ابن المُنْذِر، عن عطاءٍ، عن أبي كُرْزٍ وأمِّ كُرْزٍ، قالا: قالت امرأةٌ من أهل عبد الرَّحمن بن أبي بكر: لما ولدتْ امرأةُ عبدِ الرَّحمنِ، نَحَرْنَا جَزُورًا، فقالت عَائِشَةُ: لا، بلِ السنَّةُ شاتانِ مكافئتانِ، يُتَصَدَّق بهما عن الغُلامِ، وشاةٌ عن الجَارِيَة، تُطبَخُ ولا يُكْسَرُ لها عظمٌ، فتأكل وتطعم وتتصدَّق، ويكون ذلك في السَّابع، فإن لم يفعل، ففي الرابع عشر، فإن لم يفعل، ففي إحدى وعشرين١.
قال ابن المُنْذِر: وقال الشّافِعِيّ: العَقِيقَة سنَّة واجبةٌ، ويُتَّقى فيها من العيوب ما يُتَّقى في الضَّحايا، ولا يُباع لحمُها ولا إهَابُها، ولا يُكسر لها عظمٌ، ويأكل٢ أهلُها منها، ويتصدَّقون٣، ولا يُمَسّ الصبيُّ بشيء من دَمِها٤.
قال أبُو عُمَر: وقولُ مالكٍ مثلُ قولِ الشّافِعِيّ، إلا أنه قال: يكسر عظامها ويطعم منها الجيران، ولا يُدعى الرجال كما يُفعل بالوليمةِ٥.
(١) انظر: الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر: ٣/ ٤١٧ - ٤١٨. وقال ابن حزم في المحلى ٧/ ٥٢٩: "هذا لا يصح؛ لأنه من رواية عبدالملك بن أبي سليمان العرزمي".
قال: وقال ابنُ شِهَابٍ: لا بأسَ بِكَسْرِ عظامِها. وهو قولُ مالك١.
والذين رأوا أنه لا بأس٢ بكسر عظامها، قالوا: لم يصحَّ في المنع من ذلك ولا في كراهته سنَّةٌ يجب المصير إليها، وقد جرت العادةُ بكسر عظامِ اللحمِ، وفي ذلك مصلحةُ أَكْلِهِ وتمام الانتفاع به، ولا مصلحةَ تمنعُ من ذلك.
والذين كرهوا كسر عظامها: تمسَّكوا بالآثار التي ذكرناها عن الصحابةِ والتَّابعِينَ، وبالحديث المُرسَل الذي رواه أبو داود.
وذكروا في ذلك وجوهًا من الحكمة:
(أحدها): إظهارُ شرفِ هذا الإطعامِ وخطرِه إذْ كان يُقدَّم للآكلينَ ويُهْدَى إلى الجيران، ويُطعَم للمساكين، فاستحبَّ أن يكون قطعًا، كلُّ قطعة تامة في نفسها، لم يُكسر من عظامها شيء، ولا نقص العضو منها شيئًا، ولا ريب أن هذا أجلُّ موقعًا، وأدخلُ في باب الجود من القِطَع الصِّغار.
(المعنى الثاني): أنَّ الهديةَ إذا شَرُفَت وخرجتْ عن حدِّ الحقارة، وقعتْ موقعًا حسنًا عند المُهْدَى إليه، ودلَّت على شرَف نفسِ المُهْدِي
(١) وهو قول مالك. ساقط من "ج". وانظر: المصدر السابق، والمحلى: ٧/ ٥٢٨ - ٥٢٩.
(٢) والذين رأوا أنه لا بأس. هذه الجملة ساقطة من "ج".