قال الخَلّال في "الجامع": "باب ما يستحبُّ من الأسنان في العَقِيقة".
ثم ذكر من مسائل أبي طالب، أنه سأل أبا عبد الله عن العَقِيقَة، تجزئ بِنَعْجَةٍ أو حَمَلٍ كبيرٍ؟ قال: فَحْلٌ خيرٌ، وقد روي "ذكرانًا
أو إناثًا"١، فإن كانت نعجة، فلا بأسَ، قلتُ: فالحَمَلُ؟ قال: الأسنُّ خيرٌ.
وفي قول النبيّ ﷺ: "من وُلِد له مولودٌ، فأحبَّ أن يَنْسُكَ عنه فلْيفعَلْ" كالدليل٢ على أنه إنما يجزئ فيها ما يجزئ٣ في النُّسُك سواها من الضحايا والهدايا. ولأنه ذَبحٌ مسنون، إمَّا وجوبًا وإمَّا استحبابًا، يجري مجرى الهَدْي والأُضْحِيَةِ في الصدقة، والهدية، والأكل، والتقرُّب إلى الله تعالى، فاعْتُبِرَ فيها السنُّ الذي يجزئ فيهما. ولأنه شُرِع بوصف التمام والكمال، ولهذا شُرع في حق الغُلام شاتان،
(١) تقدم تخريجه فيما سبق، ص (٥٠).
(٢) في "ج": فالدليل.
(٣) في "أ، ج، د": يجري. بالمهملة في الموضعين.
وشُرع أن تكونا مكافئتين لا تنقص إحداهما عن الأخرى، فاعتُبِر أن يكون سنُّهما سنَّ الذبائح المأمور بها، ولهذا جرت مجراها في عامة أحكامها.
قال أبو عُمرَ بنُ عبد البَرِّ: "وقد أجمع العلماء أنه لا يجوز في العَقِيقَة إلا ما يجوز في الضَّحايا من الأزواج الثمانيةِ، إلا من شذَّ ممَّن لا يُعَدُّ قولُه خلافًا.
وأمَّا ما رواه مالكٌ في "الموطأ" عن ربيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن محمَّدِ بنِ إبراهيمَ التَّيْمِيِّ أنَّه قالَ: سمعتُ أبي يقول: "تُسْتَحَبُّ العَقِيقَةُ ولَوْ بِعُصْفُورٍ"١ فإنه كلامٌ خرجَ على التَّقليلِ والمبالَغَةِ، كقوله ﷺ لعُمَرَ - في الفَرَسِ ـ: "لا تأخذْهُ ولَو أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ"٢ وكقوله في الجَارِيَة: "إذا زَنَتْ فَبِيعُوهَا ولَو بِضَفِيرٍ"٣.
وقال مالك: العقيقةُ بمنزلة النُّسُكِ والضَّحايا، ولَا يجوزُ فيها
(١) الموطأ، كتاب العقيقة، باب العمل في العقيقة: ١/ ٤١٩.
(٢) أخرجه البخاري في الزكاة، باب هل يشتري صدقته؟ ٣/ ٣٥٢ وفي مواضع أخرى، ومسلم في الهبات، باب كراهية شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه: ٣/ ١٦٢٠.
(٣) أخرجه البخاري في البيوع، باب بيع المدبر: ٦/ ٤٢١، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الحدود، باب رجم اليهود وأهل الذمة: ٣/ ١٣٢٩ رقم (١٧٠٣). قال ابن شهاب الزهري: والضفير الحبْل.