فإن قيل: كيف يتَّفقون على تحريمِ الاسمِ المعبَّد لغير الله، وقد صحَّ عنه ﷺ أنه قال: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ، تَعِسَ عبدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عبدُ الخَمِيْصَةِ، تَعِسَ عبدُ القَطِيْفَةِ"١.
وصحَّ عنه ﷺ أنه قال:
"أنَا النبيُّ لا كَذِبأَنَا ابنُ عبدِ المُطَّلِب"٢.
ودخل عليه رجلٌ وهو جالس بين أصحابه، فقال: أيُّكم ابنُ عبدِالمطَّلب؟ فقالوا: هذا، وأشاروا إليه؟٣
فالجواب: أمَّا قوله: "تعس عبد الدينار" فلم يُرِدْ به الاسمَ، وإنما أراد به الوصفَ والدعاءَ على من يعبد قلبُه الدينارَ والدِّرهمَ، فَرَضِيَ بعبوديتهما من٤ عبودية ربّه ﵎ وذكر الأثمان والملابس وهما جمال الباطن والظاهر.
أمَّا قوله: "أنا ابن عبد المطلب"، فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، وإنَّما هو باب الإخبار بالاسم الذي عُرِفَ به المسمَّى دون غيره. والإخبارُ بمثل ذلك على وجه تعريف المسمَّى لا يَحْرُمُ.
(١) أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما يتقى من فتنة المال: ١١/ ٢٥٣، وفي مواضع أخرى.
(٢) أخرجه البخاري في الجهاد، باب من صفّ أصحابه عند الهزيمة: ٦/ ١٠٥، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الجهاد، باب غزوة حنين: ٣/ ١٤٠٠ برقم (١٧٧٦).
(٣) أخرجه البخاري في العلم: ١/ ١٤٨.
(٤) في "أ، ب": بعبوديتها عن.
ولا وجه لتخصيص أبي محمَّد ابنِ حزمٍ ذلك بعبد المطلب خاصَّةً، فقد كان الصحابةُ يسمُّون بني عبد شمس، وبني عبد الدَّار بأسمائهم، ولا يُنْكِرُ عليهم ﷺ، فبابُ الإخبار أوسعُ من باب الإنشاء، فيجوز فيه ما لا يجوزُ في الإنشاءِ.
فصل
ومن المحرَّم: التسمية بمَلِكِ الملُوك، وسُلطانِ السَّلاطينِ، وشاهٍ شاه١، فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث أبي هُرَيْرَة عن النبيّ ﷺ قال: "إنَّ أَخْنَعَ اسمٍ عند اللهِ رجلٌ تسمَّى٢ مَلِكَ الأَمْلَاكِ".
وفي رواية: "أَخْنَى" بدل "أخنع"٣.
وفي رواية لمُسْلِم: "أغيظُ رجلٍ عِنْدَ الله يَومَ القيامةِ وأخْبَثُهُ رجلٌ كان يُسمَّى مَلِكَ الأمْلاكِ. لا مَلِكَ إلا الله"٤.
ومعنى أخْنَعُ وأخنَى: أَوْضَعُ.
(١) قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٤/ ١٢٢: "شاهٍ شاه" هذه رواية في مسلم، وفي الرواية المشهورة "شاهان شاه"، وزعم بعضهم أن الأصوب: شاه شاهان. وانظر: زاد المعاد: ٢/ ٢٤٠.
(٢) في "أ، ج": يسمى.
(٣) أخرجه البخاري في الأدب، باب أبغض الأسماء إلى الله تعالى: ١٠/ ٥٨٨، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الآداب، باب تحريم التسمي بملك الأملاك: ٣/ ١٦٨٨ برقم (٢١٤٣).