ومنها: الأسماءُ التي لها معانٍ تكرهُها النفوسُ ولا تلائمُها، كحربٍ، ومُرَّة، وكلبٍ، وحيَّة، وأشباهها. وقد تقدَّم الأثر الذي ذكره مالك في "مُوَطَّئِه" أنَّ رسول الله ﷺ قال - لِلَقْحَةٍ ـ: "مَنْ يحلبُ هذه؟ " فقام رجل، فقال: أنا، فقال: "ما اسمك؟ " قال الرجل: مُرَّة، فقال له: "اجْلِسْ". ثم قال: "من يحلبُ هذه؟ " فقام رجلٌ آخر فقال: أنا، فقال له: "ما اسمُك؟ " قال: حَرْبٌ، فقال له: "اجْلِسْ". ثم قال: "من يحلبُ هذه؟ " فقام رجلٌ فقال: أنا، قال: "ما اسمك؟ " قال: يَعِيش، فقال له رسولُ الله ﷺ: "احلبْ"١.
وقد كان النبيّ ﷺ يشتدُّ عليه الاسم القبيح ويكرهه جدًّا من الأشخاص والأماكن والقبائل والجبال، حتى إنَّه مر في مسيرٍ له بين جبلين، فسأل عن اسمهما؟ فقيل له: فاضحٌ ومُخْزٍ، فعدلَ عنهما، ولم يمرَّ بينهما٢، وكان ﷺ شديد الاعتناء بذلك.
(١) تقدم تخريجه فيما سبق، ص (٦٧).
(٢) تقدم فيما سبق، ص (٦٩).
ومَنْ تأمَّل السنَّةَ وجدَ معانيَ الأسماءِ مرتبطةً بها، حتى كأنَّ مَعانِيَهَا مأخوذةٌ منها، وكأنَّ الأسماءَ مشتقَّةٌ من معانِيْهَا، فتأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ: "أسلمُ سالمَها اللهُ، وغِفَارٌ غفرَ اللهُ لها، وعصيَّةُ عصتِ الله"١.
وقوله لمَّا جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرو يومَ الصُّلح: "سَهُلَ أمْرُكم"٢.
وقوله لبُرَيدَةَ لمّا سألَهُ عنِ اسمه، فقال: بُرَيْدَةُ، قال: يا أبا بكر! بَرَدَ أمْرُنا، ثم قال: مَّمن أنت؟ قال: من أسْلَمَ، فقال لأبي بكر: "سَلِمْنَا"، ثم قال: ممن؟ قال: من سهم، قال: "خرج سَهْمُك". ذكره أبو عُمر في "استذكاره"٣.
حتى إنَّه كان يعتبر ذلك في التأويل، فقال: "رأيت كأنّا في دار عُقْبَةَ ابنِ رافعٍ، فأُتينا برُطَبٍ من رُطَبِ ابنِ طَابٍ، فأوَّلتُ العاقبةَ٤ لنا في الدنيا والرِّفعةَ، وأنَّ ديننا قد طابَ"٥.
(١) أخرجه البخاري في المناقب، باب ذكر أسلم وغفار ومزينة: ٢/ ٥٤٢، ومسلم في فضائل الصحابة، باب دعاء النبي ﷺ لغفار وأسلم: ٤/ ١٩٥٢، برقم (٢٥١٨).
(٢) تقدم تخريجه فيما سبق، ص (٦٩).
(٣) الاستذكار: ١٠/ ٢٧٠. وسبق تخريجه ص ٦٨ و٦٩.
(٤) في "ج": العافية.
(٥) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأوَّلت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب" أخرجه مسلم: ٤/ ١٧٧٩، برقم (٢٢٧٠).