تحفة المودود

ومَنْ تأمَّل السنَّةَ وجدَ معانيَ الأسماءِ مرتبطةً بها، حتى كأنَّ مَعانِيَهَا مأخوذةٌ منها، وكأنَّ الأسماءَ مشتقَّةٌ من معانِيْهَا، فتأمَّلْ قَوْلَهُ ﷺ: "أسلمُ سالمَها اللهُ، وغِفَارٌ غفرَ اللهُ لها، وعصيَّةُ عصتِ الله"١.

وقوله لمَّا جاء سُهَيلُ بنُ عَمْرو يومَ الصُّلح: "سَهُلَ أمْرُكم"٢.

وقوله لبُرَيدَةَ لمّا سألَهُ عنِ اسمه، فقال: بُرَيْدَةُ، قال: يا أبا بكر! بَرَدَ أمْرُنا، ثم قال: مَّمن أنت؟ قال: من أسْلَمَ، فقال لأبي بكر: "سَلِمْنَا"، ثم قال: ممن؟ قال: من سهم، قال: "خرج سَهْمُك". ذكره أبو عُمر في "استذكاره"٣.

حتى إنَّه كان يعتبر ذلك في التأويل، فقال: "رأيت كأنّا في دار عُقْبَةَ ابنِ رافعٍ، فأُتينا برُطَبٍ من رُطَبِ ابنِ طَابٍ، فأوَّلتُ العاقبةَ٤ لنا في الدنيا والرِّفعةَ، وأنَّ ديننا قد طابَ"٥.

  1. (١) أخرجه البخاري في المناقب، باب ذكر أسلم وغفار ومزينة: ٢/ ٥٤٢، ومسلم في فضائل الصحابة، باب دعاء النبي ﷺ لغفار وأسلم: ٤/ ١٩٥٢، برقم (٢٥١٨).
  2. (٢) تقدم تخريجه فيما سبق، ص (٦٩).
  3. (٣) الاستذكار: ١٠/ ٢٧٠. وسبق تخريجه ص ٦٨ و٦٩.
  4. (٤) في "ج": العافية.
  5. (٥) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأوَّلت الرفعة لنا في الدنيا والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب" أخرجه مسلم: ٤/ ١٧٧٩، برقم (٢٢٧٠).
176

وإذا أردتَ أن تعرفَ تأثيرَ الأسماءِ في مسمَّياتِها فتأمَّلْ حديثَ سعيدِ بنِ المسيِّب، عن أبيه، عن جدِّه، قال: أتيتُ إلى النبيِّ ﷺ فقال: "ما اسمُك؟ " قلتُ: حَزْنٌ، فقال: "أنت سهلٌ". قال: لا أغيِّر اسمًا سمَّانِيهُ أَبِي. قال ابن المسيِّب: فما زالت تلك الحُزُونَة فينا بعدُ. رواه البُخَاريّ في "صحيحه"١.

والحزُونَةُ: الغِلْظَةُ، ومنه أرضٌ حزنة، وأرض سهلة.

وتأمَّلْ ما رواه مالك في "الموطأ" عن يحيى بن سعيد: أنَّ عُمَرَ بنَ الخطّابِ ﵁ قال لرجلٍ: ما اسمُك؟ قال: جمرةٌ، قال: ابنُ مَن؟ قال: ابنُ شِهابٍ، قال: ممَّن؟ قال: من الحُرقة، قال: أين مسكنُك؟ قال: بِحَرَّة النار، قال: بأيّتها؟ قال: بذات لَظَى، قال عمر: أدْرِكْ أهْلَك فقد احتَرقُوا. فكان كما قال عمر. هذه رواية مالك٢.

ورواه الشَّعْبِيُّ: فقال: جاء رجلٌ من جهينةَ إلى عمرَ بنِ الخطاب

ــ ﵁ ــ، فقال: ما اسمك؟ قال: شهابٌ، قال: ابن مَن؟ قال: ابن ضرام، قال: ممَّن؟ قال: من الحرقة، قال: أين منزلك؟ قال بِحَرَّة النار، قال: ويحك، أدرك منزلك وأهلك فقد أحرقتهم. قال: فأتاهم فأَلْفَاهُم قد احترق عامَّتُهُم٣.

  1. (١) في الأدب، باب اسم الحزن: ١٠/ ٥٧٤، وفي مواضع أخرى.
  2. (٢) تقدم فيما سبق، ص (٦٨).
  3. (٣) راجع مفتاح دار السعادة للمصنف: ٢/ ٢٣٦، فقد ذكرها عن مجالد عن الشعبي.
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي