وقد رأينا من هذا عِبَرًا فينا وفي غيرنا، والذي رأيناه كقطرة في بَحْرٍ. وقد قال المؤمّلُ الشَّاعرُ١:
شَفَّ المُؤَمِّلَ يَوْمَ النّقْلةِ النَّظرُلَيْتَ المُؤَمّلَ لم يُخْلَقْ لَهُ البَصَرُ
فلم يلبث أن عَمِيَ.
وفي "جامعِ ابنِ وَهْبٍ" أنَّ رسول الله ﷺ أُتِي بغلام، فقال: "ما سمَّيتُمْ هذا؟ " قالوا: السَّائب، فقال: "لا تسمُّوه السَّائبَ، ولكنْ عبد الله". قال: فغَلَبوا على اسمهِ، فلَمْ يَمُتْ حتَّى ذهبَ عقلُه٢.
فَحِفْظُ المنطقِ وتخيُّر الأسماء من توفيق الله للعبدِ.
وقد أمر النبيُّ ﷺ من تمنَّى أن يُحْسِن أُمْنِيَّتَه، وقال: "إنَّ أحدَكم لا يَدري ما يُكتَبُ له من أُمْنِيَّتِه"٣ أي ما يقدر له منها، وتكون أُمنيتُه سببَ
(١) المؤمل بن أميل المحاربي، والبيت في الأغاني: ٢٢/ ٢٥٠، ومعجم الأدباء: ٣/ ٢٠٨، والزهرة للأصبهاني: ١/ ١٩٩ - ٢٠٠. وفيها كلها: "يوم الحيرة".
(٢) أخرجه عبدالله بن وهب في الجامع في الحديث: ١/ ٩٣ برقم (٤٩). قال محققه: ضعيف أرسله ابن أبي حبيب.
(٣) أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة: ٢/ ٣٥٧، وفي طبعة الرسالة: ١٤/ ٣١٧ بلفظ: "إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى، فإنه لا يدري .. "، وأخرجه الطيالسي برقم (٢٣٤١)، والبخاري في الأدب المفرد، برقم (٧٩٤). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٥١: "رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناد أحمد رجاله رجال الصحيح".
حصولِ١ ما تمنَّاه أو بَعضِه، وقد بلغكَ أو رأيتَ أخبارَ كثيرٍ من المتمنِّين، أصابَتْهُمْ أمَانِيهم أو بعضُها!
ولما نزل الحُسَيْن وأصحابه بكَرْبَلَاء، سألَ عنِ اسْمِهَا؟ فقيل: كَرْبَلَاء، فقال: "كَرْبٌ وبَلاءٌ"٣.
ولما وقفت حَلِيْمَةُ السَّعْدِيَّةُ على عبد المطَّلب تسألُه رضاعَ رسولِ الله ﷺ قال لها: من أنتِ؟ قالت: امرأةٌ من بني سَعْدٍ، قال: فما اسمُكِ؟ قالت: حَلِيْمَة، فقال: بَخٍ بَخٍ، سَعْدٌ وحِلْمٌ، هَاتَانِ خَلَّتَانِ فيهما غَنَاء الدَّهْرِ٤.
وذَكرَ سليمانُ بنُ أَرْقَمَ، عن عُبيدِ الله بنِ عبد الله، عن ابن عبَّاس، قال: بعث ملك الروم إلى النبيّ ﷺ رسولًا، وقال: انظرْ أين تراهُ جالسًا، ومَنْ إلى جنبهِ، وانظرْ إلى ما بينَ كَتفَيهِ.
(١) في "ج": حصوله.
(٢) انظر: الاستذكار لابن عبدالبر: ١٠/ ٢٧٢، والبيت لصالح بن عبدالقدوس، انظر: الحماسة للبحتري ص ٤٥٥.
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق: ١٤/ ٢٢٠، وابن العديم في بغية الطلب في تاريخ حلب: ٦/ ٢٤١٧، والذهبي في تاريخ الإسلام؛ حوادث سنة (٦١): ٢/ ٥٩.
(٤) ذكره الحلبي في إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون: ١/ ٨٩ نقلًا عن شفاء الصدور، وانظر: فيض القدير للمناوي: ١/ ٧٠٥.