وقد تقدَّم ذِكْرُ الحديثِ الصَّحيحِ: "أغْيَظُ رَجُلٍ على الله رَجلٌ تَسَمَّى بمَلِكِ الأَمْلاكِ"١.
وقال أبو داود: حدّثنا مُسَدَّدٌ، حدّثنا بِشْرُ بنُ المفَضَّل، حدّثنا أبوسلَمةَ سعيدُ بنُ يَزِيدَ، عن أبي نَضْرَةَ عن مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الله بن الشِّخِّير، قال: قال أبي: انطلقتُ في وَفْدِ بني عامِر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنتَ سيِّدُنا، فقال: "السيِّدُ اللهُ" قلنا: وأفْضَلُنَا فَضْلًا وأعْظَمُنَا طَوْلًا، فقال: "قُولُوا بِقَولِكم أو ببعضِ قولِكُمْ ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيطانُ"٢.
ولا ينافي هذا قوله ﷺ: "أنا سيّد ولد آدم"٣ فإن هذا إخبارٌ منه عمَّا أعطاه الله من سيادة النوع الإنسانيِّ وفَضْلِه وشَرَفِهِ عليهم.
وأما وصفُ الربِّ ﵎ بأنه السيِّد، فذلك وصفٌ لربِّه على الإطلاق، فإنَّ سيِّد الخلق هو مالكُ أمرِهم الذي إليه يرجعون، وبأمره يعملون، وعن قوله يصدرون، فإذا كانت الملائكة والإنس والجنُّ خلقًا له ﷾ وملكًا، ليس لهم غنى عنه طرفة
(١) تقدم فيما سبق، ص (١٦٧).
(٢) أخرجه أبو داود في الأدب، باب في كراهية التمادح: ١٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٣) أخرجه مسلم في الفضائل، باب فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة: ٤/ ١٧٨٢ برقم (٢٢٧٨).
عين١، وكلُّ رغباتهم إليه، وكلُّ حوائجهم إليه، كان هو ﷾ السيِّدَ على الحقيقة.
قال علي بن أبي طَلْحَة، عن ابن عبَّاس في تفسير قول الله٢: ﴿الصَّمَدُ﴾. قال: السيد الذي كَمُلَ سُؤدَدُهُ٣.
والمقصود: أنه لا يجوز لأحدٍ أن يتسمَّى بأسماء الله المختصَّةِ به.
وأمَّا الأسماءُ التي تُطلَق عليه وعلى غيره: كالسَّميع، والبَصير، والرَّؤوفِ، والرَّحيمِ، فيجوز أن يُخبر بمعانيها عن المخلوق، ولا يجوز أن يتسمَّى بها على الإطلاق بحيث يُطلَق عليه كما يُطلق على الربِّ تعالى.
فصل
ومما يُمنع منه التسميةُ بأسماءِ القرآنِ وسُوَرِهِ، مثل: طَهَ، ويس، وحَم، وقد نصَّ مالكٌ على كراهة التسمية بـ: "يس". ذكره السُّهَيْليُّ٤.
وأمَّا ما يذكره العوامُّ: أنَّ يس وطه من أسماء النبيّ ﷺ، فغيرُ صحيحٍ، ليس ذلك في حديثٍ صحيحٍ، ولا حَسَنٍ، ولا مُرْسَلٍ، ولا أثَرٍ عن صاحبٍ، وإنَّما هذه الحروف مثل: الم وحم والر، ونحوها.
(١) في "ب، ج": في طرفة عين.
(٢) في "ج": في قوله.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير: ١٢/ ٤٦٧، والطبري: ٢٤/ ٦٩٢.
(٤) انظر: الروض الأُنُف في شرح سيرة ابن هشام للسهيلي: ٢/ ٦٦.