بقدوم، فاشتدَّ عليه الوجع، فدعا ربَّه، فأوحى الله إليه إنك عجلت قبل أن نأمرك بالآلة، قال: يا ربّ! كرهت أن أؤخِّر أمْرَك. قال: وختن إسماعيل وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسْحَاق وهو ابن سبعة أيام.
وقال حَنْبَل: حدّثنا عاصم، حدّثنا أبو أُوَيْس، قال حدّثني أبو الزِّنَاد، عن الأعرج عن أبي هُرَيْرَة عن النبيّ ﷺ قال: "إبراهيمُ أوَّلُ من اخْتَتنَ وهو ابن مائةٍ وعشرينَ سنةً، اختتنَ بالقدوم، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنةً"١.
ولكنَّ هذا حديثٌ معلولٌ، رواه يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هُرَيرَة قولَه.
ومع هذا، فهو من رواية أبي أُوَيس عبد الله بن عبد الله المدنيِّ، وقد روى له مسلم في "صحيحه" محتجًّا به، وروى له أهل "السنن الأربعة".
وقال أبو داود: وهو صالح الحديث.
واختلفت الروايةُ فيه عن ابن مَعِين، فروى عنه الدُّوريُّ: في حديثه ضعفٌ، وروى عنه توثيقَه٢.
(٢) انظر: تاريخ يحيى بن معين: ٢/ ٣١٧، وتهذيب التهذيب لابن حجر: ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
ولكن المغيرة بن عبد الرَّحمن، وشُعَيْبَ بنَ أبي حَمْزَةَ وغيرهما رووا عن أبي الزِّنَاد خلاف ما رواه أبو أُوَيس، وهو ما رواه أصحابُ الصَّحيحِ أنه اختتنَ وهو ابنُ ثمانينَ سنةً١.
وهذا أوْلَى بالصَّواب، وهو يدلُّ على ضَعْفِ المرفوعِ والموقوفِ.
وقد أجاب بعضُهم بأن قال: الروايتانِ صحيحتانِ، ووَجْهُ الجمعِ بين الحديثينِ يُعْرَفُ من مدَّةِ حياةِ الخليلِ، فإنَّه عاش مائتي سنة، منها ثمانونَ غيرَ مختونٍ، ومنها عشرونَ ومائةُ سنة مختونًا، فقوله: "اختتن لثمانين سنة" مضت من عمره، والحديث الثاني: "اختتن لمائة وعشرين سنة" بَقِيَتْ من عُمُرِهِ٢.
وفي هذا الجمع نظرٌ لا يَخْفَى، فإنه قال: "أوَّل من اختتنَ إبراهيمُ وهو ابن مائة وعشرين سنة"، ولم يقل: اختتن لمائةٍ وعشرينَ سنةً.
وقد ذكرنا رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هُرَيْرَةَ موقوفًا عليه: أنه اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة. والروايةُ الصحيحةُ المرفوعةُ عن أبي هُرَيرَة تخالفُ هذا.
على أنَّ الوليدَ بنَ مُسْلِمٍ قد قال: (أخبرني الأوزاعي، عن يحيى بن
(١) انظر: فتح البارى لابن حجر: ١١/ ٨٨ - ٨٩.
(٢) فتح البارى: ١١/ ٨٩. وانظر: شعب الإيمان للبيهقي: ١٥/ ١٣٣.