ولكن السُّنَّة عندهم يأثم بتركها، فهم يُطْلِقُونهَا على مرتبة بين الفرض وبين النَّدْب، وإلا فقد صرَّح مالك بأنَّه لا تقبل شهادة الأقْلَفِ، ولا تجوز إمامتُه.
وقال الحَسَن البصريُّ وأبو حنيفةَ: لا يجب، بل هو سُنَّة١، وكذلك قال ابنُ أبي مُوسَى٢ من أصحابِ أَحْمَدَ: هو سُنَّة مؤكَّدة.
ونصَّ أَحْمَد في رواية: أنه لا يجبُ على النساءِ٣.
واحتجّ الموجبون له بوجوهٍ:
(أحدها): قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾[النحل/ ١٢٣]. والختان من مِلَّتِه لما تقدم.
(١) قال الملا علي القاري في "فتح باب العناية" ١/ ٣٧: "وسُنَّ الختان للرجال، وهو من الفطرة. وعُدَّ مكرمة للنساء؛ لحصول الكرامة لهنَّ به عند أزواجهنّ، وقُدِّر وقته بسبع سنين - وهو مختار أبي الليث - أو تسع أو عشر. وقيل بما يطابق المراد بالبلوغ. ويُترك لو ولد شبيهًا بالمختون، أو أسلم كبيرًا وخيف عليه منه. وإن تركه أهل بلد قُوتِلوا عليه، لأنه من شعائر الإسلام، فصار كالأذان". وانظر: فتح القدير للكمال ابن الهمام: ٦/ ٤٥.
(الوجه الثاني): ما رواه الإمام أحمد، حدّثنا عبد الرزَّاق، عن ابن جُرَيج قال: أُخبرت عن عُثَيمِ بنِ كُلَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنه جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: قد أسلمتُ، قال: "أَلْقِ عَنْكِ شَعْرَ الكُفْرِ" يقول: احْلِقْ. قال: وأخبرني آخرُ معه، أن النبيَّ ﷺ قال لآخر: "ألَقِ عَنْكَ شَعْرَ الكُفْرِ وَاخْتَتِنْ". ورواه أبو داود عن مَخْلَدِ بنِ خَالِد عن عبدِ الرزَّاق١. وحَمْلُه على النَّدْب في إلقاء الشعر، لا يلزمُ منه حمله عليه في الآخر.
(الوجه الثالث): قال حربٌ في "مسائله" عن الزُّهْرِيّ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ أسْلَمَ فَلْيَخْتَتِنْ وإنْ كانَ كَبيرًا"٢.
وهذا وإن كان مُرْسَلًا، فهو يصلح لِلاعْتِضَادِ.
(الوجه الرابع): ما رواه البَيهَقِيّ، عن موسى بن إسماعيل بن جعفر
(١) أخرجه عبدالرزاق: ٦/ ١٠، وأبو داود في الطهارة، باب في الرجل يُسلم فيؤمر بالغسل: ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٧، والإمام أحمد: ٣/ ٤١٥، وفي طبعة الرسالة: ٢٤/ ١٦٣، والبيهقي في السنن: ١/ ١٧٢، وفي معرفة السنن والآثار: ٩/ ٤٣٦٥ برقم (٤٦٣٣)، والطبراني في الكبير: ٢٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦ برقم (٣٦٠). قال ابن القطان في بيان الوهم والإيهام ٥/ ٤٣: "إسناده في غاية الضعف مع الانقطاع". وانظر: البدر المنير لابن الملقن: ٨/ ٧٤١ - ٧٤٣، والتلخيص الحبير لابن حجر ٤/ ٨٢.
(٢) انظر: التلخيص الحبير لابن حجر: ٤/ ٨٢ فقد عزاه أيضًا لحرب. وقال السيوطي في الدر المنثور ١/ ٥٩٧: "أخرج البيهقي عن الزهري عن النبي ﷺ قال: من أسلم .. " وهو مرسل.