(الوجه السَّابع): أنَّ الختانَ من أظْهَرِ الشَّعائرِ٣ التي يُفَرَّقُ بها بين المُسْلِم والنَّصرانيِّ٤، فوجوبُه أظهرُ من وجوبِ الوترِ، وزكاةِ الخيل، ووجوبِ الوضوء على من قَهْقَهَ في صلاته، ووجوبِ الوضوء على من احْتَجَمَ أو تقيَّأ أو رَعَفَ، ووجوبِ التيمم إلى المِرْفَقَيْنِ، ووجوبِ الضَّربتين على الأرض، وغير ذلك، ممَّا وجوبُ الختان أظْهَرُ مِن وُجُوبِه وأقوَى، حتى إن المُسْلِمين لا يكادون يعدُّون الأقْلفَ منهم.
ولهذا ذهب طائفةٌ من الفقهاء إلى أنَّ الكبيرَ يجبُ عليه أن يختتنَ
(١) انظر: مسائل الإمام أحمد، رواية عبدالله: ١/ ١٥١، والترجّل للخلال ص ٨٤.
(٢) انظر: المصنف لعبد الرزاق: ١١/ ١٧٥. وقال ابن المنذر في الإشراف ٣/ ٤٣٤ - ٤٣٥: "اختلفوا في أكل ذبيحة الأقلف؛ فممن قال لا تؤكل ذبيحته: ابن عباس والحسن البصري. وقد اختلف فيه على الحسن. وقال حماد بن أبي سلمان: لا بأس به، وهو يشبه مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وعوام أهل الفتيا من علماء الأمصار. وبه نقول؛ لأن الله تعالى لما أباح ذبائح أهل الكتاب، وفيهم من لا يختتن؛ كانت ذبيحة المسلم الذي ليس بمختون أوْلى، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، وهذا داخل في جملة ذلك".
(٣) في "أ": الشرائع.
(٤) انظر: أعلام الحديث للخطابي: ٣/ ٢١٥٤.
ولو أدَّى إلى تَلَفِه، كما سنذكره في الفصل الثاني عشر إن شاء الله تعالى.
(الوجه الثامن): أنَّه قطعٌ شُرِعَ لله، لا تُؤْمَنُ سِرَايَتُهُ١، فكان واجبًا كقطع يد السَّارقِ.
(الوجه التاسع): أنه يجوز كَشْفُ العورةِ له لغير ضرورةٍ ولا مداواةٍ، فلو لم يجب لما جازَ، لأنَّ الحرامَ لا يُلْتَزَمُ للمحافَظَةِ على المسْنُونِ٢.
(الوجه العاشر): أنَّه لا يُسْتَغْنَى فيه عن تَرْكِ وَاجِبَيْنِ وارتكابِ محظُورينِ، أحدهما: كشفُ العورةِ في جانبِ المختونِ، والنظرُ إلى عورةِ الأجنبيِّ في جانب الخاتنِ. فلو لم يكن واجبًا لما كان٣ قد تُرِك له واجبانِ وارتُكِبَ محظُورانِ.
(الوجه الحادي عشر): ما احتج به الخَطَّابيُّ قال: "أمَّا الختانُ، فإنه ــ وإن كان مذكورًا في جملة السُّنَنِ ــ فإنَّه عند كثير من العلماء على الوجوب، وذلك أنَّه شعارُ الدِّين، وبه يُعْرَفُ المُسْلِمُ من الكافرِ، وإذا وُجِدَ المختونُ بين جماعةٍ قَتْلَى غير مختتنينَ: صُلِّي عليه، ودُفِن في
(١) قال في المصباح المنير ١/ ٢٥٧: سرى الجرحُ إلى النفس، معناه دام ألمُه حتى حدث منه الموت. وقطع كفَّه فسرى إلى ساعده: أي تعدَّى أثرُ الجرح.
(٢) انظر: نهاية المطلب للجويني: ١٧/ ٣٥٥، والمجموع للنووي: ١/ ١٦٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٠٠، وأعلام الحديث للخطابي: ٣/ ٢١٥٤، وشرح صحيح مسلم للقاضي عياض: ٢/ ٦٥.