ولو أدَّى إلى تَلَفِه، كما سنذكره في الفصل الثاني عشر إن شاء الله تعالى.
(الوجه الثامن): أنَّه قطعٌ شُرِعَ لله، لا تُؤْمَنُ سِرَايَتُهُ١، فكان واجبًا كقطع يد السَّارقِ.
(الوجه التاسع): أنه يجوز كَشْفُ العورةِ له لغير ضرورةٍ ولا مداواةٍ، فلو لم يجب لما جازَ، لأنَّ الحرامَ لا يُلْتَزَمُ للمحافَظَةِ على المسْنُونِ٢.
(الوجه العاشر): أنَّه لا يُسْتَغْنَى فيه عن تَرْكِ وَاجِبَيْنِ وارتكابِ محظُورينِ، أحدهما: كشفُ العورةِ في جانبِ المختونِ، والنظرُ إلى عورةِ الأجنبيِّ في جانب الخاتنِ. فلو لم يكن واجبًا لما كان٣ قد تُرِك له واجبانِ وارتُكِبَ محظُورانِ.
(الوجه الحادي عشر): ما احتج به الخَطَّابيُّ قال: "أمَّا الختانُ، فإنه ــ وإن كان مذكورًا في جملة السُّنَنِ ــ فإنَّه عند كثير من العلماء على الوجوب، وذلك أنَّه شعارُ الدِّين، وبه يُعْرَفُ المُسْلِمُ من الكافرِ، وإذا وُجِدَ المختونُ بين جماعةٍ قَتْلَى غير مختتنينَ: صُلِّي عليه، ودُفِن في
(١) قال في المصباح المنير ١/ ٢٥٧: سرى الجرحُ إلى النفس، معناه دام ألمُه حتى حدث منه الموت. وقطع كفَّه فسرى إلى ساعده: أي تعدَّى أثرُ الجرح.
(٢) انظر: نهاية المطلب للجويني: ١٧/ ٣٥٥، والمجموع للنووي: ١/ ١٦٤، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/ ١٠٠، وأعلام الحديث للخطابي: ٣/ ٢١٥٤، وشرح صحيح مسلم للقاضي عياض: ٢/ ٦٥.
(٣) في (ب، ج): فلو لم يكن واجبًا لكان.
مقابر المُسْلِمين"١.
(الوجه الثاني عشر): أن الوليَّ يُؤْلِمُ فيه الصبيَّ، ويُعَرِّضُهُ للتَّلَف بالسِّرَايَةِ، ويُخرِج من ماله أجرةَ الخاتنِ وثمنَ الدواءِ، ولا يضمنُ سِرَايَتَهُ بالتَّلف، ولو لم يكن واجبًا لما جاز ذلك؛ فإنَّه لا يجوز له إضاعةُ مالِه وإيلامُهُ الألمَ البالغَ، وتعريضُه للتَّلَف بفِعلِ ما لا يجبُ فِعْلُه، بل غايتُه أن يكونَ مستحبًّا. وهذا ظاهرٌ بحمد الله.
(الوجه الثالث عشر): أنَّه لو لم يكن واجبًا لما جاز للخاتن الإقدامُ عليه، وإن أَذِنَ فيه المختونُ أو وليُّه؛ فإنه لا يجوز الإقدامُ على قَطْعِ عضوٍ لم يأمرِ اللهُ ورسولُه بقَطْعِهِ، ولا أوجبَ قَطْعَهُ٢، كما لو أذِن له في قَطْعِ أُذُنِه أو إصْبعِه، فإنه لا يجوز له ذلك، ولا يَسْقُطُ الإثمُ عنه بالإذْنِ، وفي سقوط الضَّمانِ عنه نزاعٌ٣.
(الوجه الرابع عشر): أنَّ الأقْلَفَ معرَّضٌ لفَسَادِ طَهَارتِهِ وصلاتِه، فإن القُلْفَة تستر الذَّكَرَ كلَّه، فيصيبُها البَوْلُ، ولا يمكن الاسْتِجْمَارُ لها. فصحَّةُ الطهارةِ والصلاةِ موقوفةٌ على الختانِ. ولهذا مَنَعَ كثيرٌ من
(١) انظر: معالم السنن للخطابي: ١/ ٤٢ مع مختصر المنذري وشرح ابن القيم.