(الوجه الثاني عشر): أن الوليَّ يُؤْلِمُ فيه الصبيَّ، ويُعَرِّضُهُ للتَّلَف بالسِّرَايَةِ، ويُخرِج من ماله أجرةَ الخاتنِ وثمنَ الدواءِ، ولا يضمنُ سِرَايَتَهُ بالتَّلف، ولو لم يكن واجبًا لما جاز ذلك؛ فإنَّه لا يجوز له إضاعةُ مالِه وإيلامُهُ الألمَ البالغَ، وتعريضُه للتَّلَف بفِعلِ ما لا يجبُ فِعْلُه، بل غايتُه أن يكونَ مستحبًّا. وهذا ظاهرٌ بحمد الله.
(الوجه الثالث عشر): أنَّه لو لم يكن واجبًا لما جاز للخاتن الإقدامُ عليه، وإن أَذِنَ فيه المختونُ أو وليُّه؛ فإنه لا يجوز الإقدامُ على قَطْعِ عضوٍ لم يأمرِ اللهُ ورسولُه بقَطْعِهِ، ولا أوجبَ قَطْعَهُ٢، كما لو أذِن له في قَطْعِ أُذُنِه أو إصْبعِه، فإنه لا يجوز له ذلك، ولا يَسْقُطُ الإثمُ عنه بالإذْنِ، وفي سقوط الضَّمانِ عنه نزاعٌ٣.
(الوجه الرابع عشر): أنَّ الأقْلَفَ معرَّضٌ لفَسَادِ طَهَارتِهِ وصلاتِه، فإن القُلْفَة تستر الذَّكَرَ كلَّه، فيصيبُها البَوْلُ، ولا يمكن الاسْتِجْمَارُ لها. فصحَّةُ الطهارةِ والصلاةِ موقوفةٌ على الختانِ. ولهذا مَنَعَ كثيرٌ من
(١) انظر: معالم السنن للخطابي: ١/ ٤٢ مع مختصر المنذري وشرح ابن القيم.
السَّلَف والخَلَف إمامتَهُ وإنْ كان معذورًا في نفْسِهِ، فإنَّه بمنزلة مَن به سَلَسُ البَوْلِ ونحوه.
فالمقصود بالختان: التحرُّزُ من احتباسِ البولِ في القُلْفَةِ، فتفسد الطهارةُ والصلاةُ. ولهذا قال ابن عبَّاس - فيما رواه الإمام أَحْمَد وغيره ـ: لا تُقْبَلُ لهُ صلاةٌ. ولهذا يَسقطُ بالموتِ؛ لِزَوَالِ التَّكْلِيفِ بالطَّهارةِ والصَّلاةِ.
(الوجه الخامس عشر): أنه شعار عُبَّاد الصَّليبِ وعُبَّاد النَّار الذين تميَّزوا به عن الحُنَفَاء، والختانُ شعارُ الحنفاءِ في الأصل، ولهذا أوَّل من اختتن إمامُ الحنفاء، وصار الختانُ شِعارَ الحنيفيَّة، وهو ممَّا توارثه بنو إسماعيلَ وبنو إسرائيلَ عن إبراهيمَ الخليلِ ﷺ، فلا يجوز مُوَافَقَةُ عُبَّادِ الصَّليبِ القُلْفِ في شعارِ كُفْرِهم وتَثْلِيثِهمْ.
فصل
قال المُسْقِطُونَ لوجوبه:
قد صرَّحت السنَّة بأنه سنَّةٌ، كما في حديث شدَّاد بنِ أوْسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الخِتَانُ سُنَّةٌ للرِّجَالِ، مَكْرُمَةٌ للنِّسَاءِ". رواه الإمام أَحمد١.
(١) في المسند: ٥/ ٧٥، وفي طبعة الرسالة: ٣٤/ ٣١٩، وابن أبي شيبة في المصنف: ٦/ ٢٢٣، وفي الأدب برقم (١٨٦)، والخلال في الترجل ص ٨٨ برقم (١٩٢)، والطبراني في الكبير: ٧/ ٣٢٩، والبيهقي في السنن: ٨/ ٣٢٥، وفي معرفة السنن والآثار برقم (٤٣٦٩) قال: "ولا يثبت رفعه، ورواه الحجاج بن أرطاة من وجهين آخرين ولا يثبت"، وابن عدي في الكامل: ١/ ٤٤. وقال ابن الملقن البدر المنير ٨/ ٧٤٣ - ٧٤٥: "هذا الحديث ضعيف بمرة، وهو مروي من طرق" ثم ذكر طرقه. وانظر: فتح الباري: ١٠/ ٣٤١.