تحفة المودود

فما فتَّش أحدًا منهم١.

قالوا: وأمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ فالملَّةُ هي الحَنِيْفيَّةُ، وهي التَّوحِيْدُ، ولهذا بيَّنهَا بقَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل/ ١٢٣].

وقال يُوسفُ الصِّدِّيقُ: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [يوسف/ ٣٧ - ٣٨].

وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران/ ٩٥].

فالملَّةُ في هذا كلِّه هي أصلُ الإيمانِ من التَّوحيدِ والإنابةِ إلى الله، وإخلاصِ الدِّينِ لهُ.

وكان رسولُ الله ﷺ يعلّمُ أصحابَه إذا أَصْبَحُوا أنْ يَقُولُوا: "أَصْبَحْنَا على فِطْرَةِ الإسْلامِ، وكَلِمَةِ الإخْلَاصِ، وَدِيْنِ نبيِّنَا مُحَمَّدٍ ومِلَّةِ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ حَنِيْفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشْرِكينَ"٢.

  1. (١) أخرجه الخلال في كتاب الترجّل برقم (١٩١)، والبخاري في الأدب المفرد، برقم (١٢٥١) وفي طبعة دار القلم (٧٦)، وصححه الألباني في صحيح الأدب برقم (٩٤٧).
  2. (٢) أخرجه الإمام أحمد: ٣/ ٤٠٦ وفي طبعة الرسالة: ٢٤/ ٧٧، والدارمي في السنن، كتاب الاستئذان، باب ما يقول إذا أصبح: ٢/ ٢٩٢، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص ١٣٤ برقم (٣)، والطبراني في الدعوات الكبير برقم (٢٦ و٢٧)، وابن السني في عمل اليوم والليلة، ص ٢٠ برقم (٣٤). قال الهيثمي في المجمع ١٠/ ١١٦: "رواه أحمد والطبراني، ورجالهما جال الصحيح". وقال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار ٢/ ٤٠٢: "رجاله محتج بهم في الصحيح، إلا عبدالله بن عبدالرحمن وهو حسن الحديث".
246

قالوا: ولو دخلت الأفعالُ في الملَّة، فمُتَابَعَتُهُ فيها أن تُفْعَلَ على الوَجْهِ الذي فَعَلَهُ، فإنْ كان فَعَلَها على سبيلِ الوجوبِ، فاتِّباعُه أن يَفْعَلَها كذلك، وإن كان فَعَلَها على وجه النَّدْبِ، فاتِّباعُه أن يفعلَها على وجه النَّدْبِ١. فليس معكم حينئذٍ إلا مجرَّدُ فِعْلِ إبراهيمَ، والفِعْلُ هل هو على الوجوبِ أو النَّدْبِ؟ فيه النزاع المعروف. والأقوى: أنه إنَّما يدلُّ على النَّدبِ إذا لم يكن بيانًا لواجبٍ، فمتى فعَلْنَاهُ على وجْهِ النَّدبِ كنا قد اتَّبعناهُ.

قالوا: وأمَّا حديثُ عُثَيْمِ بنِ كُلَيْب، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: "أَلْقِ عنْكَ شَعْرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ"٢، فابنُ جُرَيْجٍ قال فيه: أُخبرتُ عن عُثَيْمِ ابنِ كُلَيب.

قال أبو أحمد بنُ عَدِيٍّ: هذا الذي قالَ ابن جُرَيْج في هذا الإسناد:

  1. (١) انظر: الاستذكار لابن عبدالبر: ١٠/ ٢٠.
  2. (٢) تقدم فيما سبق، ص (٢٣٨).
247

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي