تحفة المودود

فأين الختانُ من قَطْعِ يدِ اللصِّ؟ فيا بُعْدَ ما بينَهما!

ولقد أَبْعَدَ النُّجْعَةَ مَنْ قاسَ أحدَهما على الآخَرِ، فالختانُ إكْرَامُ المختونِ، وقطعُ يدِ السَّارقِ عُقُوبةٌ له، وأينَ بابُ العقوباتِ من أبوابِ الطَّهاراتِ والتَّنظيف؟!

وأمَّا قولُكم: "يجوزُ كشفُ العورةِ لهُ لغيرِ ضَرورةٍ ولا مُداواةٍ فكان واجبًا".

لا يلزمُ من جَوازِ كَشْفِ العَوْرةِ له وُجُوبُه، فإنَّه يجوز كَشْفُهَا لغير الواجبِ إجماعًا، كما تُكْشَفُ لنَظَرِ الطبيبِ ومُعَالجَتِه، وإنْ جازَ تَرْكُ المعالجةِ.

وأيضًا: فوَجْهُ المرأةِ عورةٌ في النَّظَرِ، ويجوزُ لها كَشْفُهُ في المعَامَلَةِ التي لا تجبُ، ولِتَحَمُّلِ الشهادةِ عليها حيثُ لا تجبُ.

وأيضًا: فإنَّهم جوَّزوا لغاسلِ الميِّت حَلْقَ عَانَتِهِ، وذلك يستلزمُ كَشْفَ العورةِ أو لمسها لغير واجبٍ.

وأمَّا قولكم: "إنَّ به يُعرف المُسْلِمُ من الكافرِ، حتى إذا وُجِدَ المختونُ بين جماعةٍ قتلى غير مختونين صُلِّيَ عليه دُوْنَهم".

250

ليس كذلك؛ فإنَّ بعضَ الكفَّار يختتنونَ، وهمُ اليهودُ، فالختانُ لا يميِّز بين المُسْلِمِ والكافِرِ إلا إذا كان في محلٍّ لا يَخْتَتِنُ فيه إلا المُسْلِمونَ، وحينئذٍ يكونُ فرقًا بين المُسْلِم والكافر. ولا يلزمُ من ذلك وجوبُه، كما لا يلزمُ وجوبُ سائرِ ما يفرِّق بين المُسْلِم والكافرِ.

وأمَّا قولُكم: "إن الوليَّ يُؤلِمُ فيه الصبيَّ، ويُعرِّضهُ للتَّلَفِ بالسِّرايَةِ ويُخْرِجُ من مَالِه أُجْرَةَ الخَاتِنِ وثَمَنَ الدَّوَاءِ".

فهذا لا يدلُّ على وُجُوبِه، كما يُؤلمهُ بضَرْبِ التَّأديبِ لمصلحتِه، ويُخْرِجُ مِن ماله أُجرةَ المؤدِّب والمعلِّم، وكما يضحِّي عنه.

قال الخَلّال: "باب الأُضحية عن اليتيم" أخبرني حَرْبُ بنُ إسماعيلَ قال: قلت لأَحْمَدَ: يُضحَّى عن اليتيم؟ قال: نعم، إذا كان له مالٌ. وكذلك قال سفيان الثَوْريُّ.

قال جعفر بن محمَّد النَّيسَابُورِيُّ: سمعتُ أبا عبدِ الله يُسألُ عن وصيِّ يتيمةٍ يَشْتَرِي لها أُضْحِيَةً؟ قال: لها مالٌ؟ قال: نعم، قال: يشتري لها.

وقولُكم: "لو لم يكن واجبًا لما جاز للخاتن الإقدامُ عليه" إلى آخره.

ينتقض بإقدامه على قَطْع السِّلْعَةِ١، والعُضْوِ التَّالف، وقَلْعِ السنِّ،

  1. (١) السِّلْعَة: خُرَّاج كهيئة الغُدّة بين الجلد واللحم، تخرج في رأس الإنسان وجسده. قال الأطباء: هي ورم غليظ غير ملتزق باللحم، يتحرك عند تحريكه، كأنه منفصل عن البدن، وله غلاف،. أما السَّلعة - بالفتح - فهي الشجّة. قال الفقهاء: يجوز قطعها عند الأمن. انظر: التنوير في الاصطلاحات الطبية للقمَري، ص ٣٢، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي للأزهري، ص ٥٠٣، والمصباح المنير للفيومي: ١/ ٢٨٥.
251

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي