فقد اهتمَّ علماء الأمة الإسلامية بالتأليف والتصنيف في كل الفنون والعلوم الدينية والأدبية والتاريخية والتربوية والتطبيقية وغيرها، وكان علم الفقه من أول العلوم التي أولاها العلماء عنايتهم في كل العصور، وتنوَّعت مناهجهم وطرائقهم في ذلك؛ فهناك كتب شاملة لأبواب الفقه كلِّها، من العبادات والمعاملات والمناكحات والعقوبات وغيرها، وهناك كتب في علم أصول الفقه، وفي القواعد الفقهية والأشباه والنظائر، وفي علم الخلاف. وهذه كلُّها تتناول موضوعات وأبوابًا تتصف بالشمول للأحكام العملية في جوانب الحياة كلها.
ومن العلماء من أفرد بعض الأبواب والمسائل الفقهية بالتصنيف والتأليف ابتداءً، أو تلبية لحاجة طارئة، أو إجابة على سؤال أو استفتاء، فنشأت كتب الفتاوى والرسائل والكتب المفردة في باب معيّن من أبواب الفقه أوفي مسألة من مسائله، يتناولها المصنّف بالدراسة الواسعة، فيحدِّد موضوع بحثه، ويبيِّن منهجه، وسبب تأليفه أو كتابته، ويرسم خطَّته التي تنطوي ــ أحيانًا ــ على أبواب وفصول ومباحث أو
فروع ومسائل وتنبيهات. وقد تكون هذه الدراسة ضمن مذهب فقهي أو مدرسة فقهية معينة١.
وقد تتسع دائرة البحث في الدراسة للمسألة أو الموضوع، فيتناولها المؤلف في المذاهب الفقهية المشهورة وغيرها من مذاهب السلف ــ ﵏ جميعًا ــ. وأثناء ذلك يعرض أقوال العلماء ومذاهبهم والروايات المنقولة عنهم، ويستقصي الأدلَّة لكلِّ قول، ثم يناقش ويوازن ليرجِّح ما تطمئنُّ إليه نفسه، اتِّباعًا للدليل الصحيح والنص الصريح، وإعمالًا للقواعد والأصول في الاستنباط. وهذا مجال واسع للآراء والأقوال والترجيح للرأي النجيح.
ونجد أمثلة كثيرة على هذه الطريقة عند علمائنا في القديم والحديث، في شتى العلوم والفنون. ولا يغيب عن الذهن «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميَّة»، و«المعيار المُعْرِب» للونشريسي، و«الحاوي للفتاوى» للسيوطيِّ، و«فتاوى السُّبْكي»، و«رسائل ابن نُجَيم» الحنفيّ، و«مجموع رسائل الملَّا علي القاري الهَرَوِيّ»، و«الفتح
(١) من الأمثلة على ذلك أن العلامة أبا محمد بن غانم بن محمد البغدادي الحنفي (المتوفى في حدود ١٠٣٠ هـ) جعل مسائل الضمانات موضوعًا لكتاب قائم برأسه هو «مجمع الضمانات في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان» وقد طبع في المطبعة الخيرية بمصر عام ١٣٠٨ هـ، ثم صدر في مجلدين بتحقيق محمد أحمد سراج، وعلي جمعة محمد، عن دار السلام بالقاهرة عام ١٤٢٠ هـ.