فهذا إنما يُلام عليه إذا كان باختياره. وما خرج عن اختياره وقدرته لم يُلَمْ عليه، ولم تفسد طهارتُه؛ كسَلَسِ البول والرّعَاف، وسَلَسِ المَذِي، فإذا فعل ما يقدر عليه من الاستجمار والاستنجاء، لم يؤاخَذْ بما عَجَزَ عنه.
وقولُكم: "إنَّه من شِعار عُبَّاد الصُّلْبان، وعبَّاد النيرانِ، فموافقتُهم فيه موافقةٌ في شِعار دينهِم".
جوابه: أنهم لم يتميَّزوا عن الحُنَفَاءِ بمجرَّد تَرْك الختان، وإنما امتازوا بمجموع ما هم عليه من الدِّين الباطل. ومُوافقةُ المُسْلِمِ لهم في تَرْكِ الختانِ لا يسْتلزمُ موافقتَهم في شعار دينهم الذي امتازوا به عن الحنفاء.
قال الموجبون: الختان عَلَمُ الحنيفيَّة، وشعارُ الإسلامِ، ورأسُ الفِطْرَةَ، وعُنْوانُ المِلَّةِ، وإذا كان النبيُّ ﷺ قد قال: "مَنْ لم يأْخُذْ شَارِبَهُ فليسَ منَّا"١. فكيف يكون٢ من عطَّل الختان، ورضي بشعار القُلْفِ عُبَّادِ الصُّلْبانِ؟
ومن أظهر ما يفرّق بين عُبَّاد الصلبان وعُبَّاد الرَّحمن: الختانُ، وعليه استمرَّ عمل الحنفاءِ من عهد إمامِهم إبراهيمَ إلى عهد خاتَمِ الأنبياء، فبُعِثَ بتكميل الحنيفية وتقريرها، لا بتحويلها وتغييرها.
ولما أمر الله - تعالى - به خَليلَهُ، وعَلِمَ أنَّ أَمْرَهُ المطاعُ؛ وأنّه لا يجوز أن يُعَطَّل ويُضَاعَ؛ بَادرَ إلى امتثالِ ما أمرَ بهِ الحيُّ القيُّومُ، وختنَ نفْسَه بالقدُّوم، مبادرةً إلى الامتثال؛ وطاعةً لذي العزَّة والجلالِ، وجعَله فطرةً باقيةً في عَقِبِهِ إلى أن يَرِثَ الأرضَ ومَنْ عليها، ولذلك٣ دعا جميعُ الأنبياءِ مِن ذُرِّيَّتهِ أُممَهُمْ إليها حتَّى عبدُ الله ورسولُه وكلمتُه ابنُ العذراءِ
(١) أخرجه الترمذي في الأدب، باب ما جاء في قص الشارب: ٥/ ٩٣، وقال: "هذا حديث حسن صحيح". والنسائي في الطهارة، باب قص الشارب: ١/ ١٥ برقم (١٣) وبرقم (٤٩٦٢)، والإمام أحمد: ١/ ١٥، وصححه ابن حبان برقم (٥٥٩٦)، ورواه أيضًا: عبدبن حميد ٢٦٦)، والطبراني في الأوسط (٥٢٩ و٨١١٢)، والطحاوي في مشكل الآثار (١١٥٢).