الإسلامِ: الختانُ، فكانوا يُبَادِرُونَ إليه بعد الإسلامِ كما يبادرون إلى الغُسْلِ. ومن كان منهم كبيرًا يشقُّ عليه ويخافُ التَّلفَ: سقطَ عنهُ.
وقد سُئل الإمامُ أَحمدُ عن ذبيحة الأقْلَفِ - وذُكِر له حديثُ ابن عبَّاس: لا تؤكل ـ، فقال: ذلك عندي إذا وُلِدَ بين أبَوينِ مُسْلمَينِ فكَبِرَ ولم يختتنْ، وأمَّا الكبيرُ إذا أسلمَ وخافَ على نَفْسه الختانَ، فلهُ عندي رخصةٌ١.
وأمَّا قولكم: "إنَّ الملَّة هي التوحيدُ".
فالمِلَّةُ هي الدِّينُ، وهي مجموعةُ أقوالٍ وأفعالٍ واعتقاد، ودخول الأعمال في المِلَّة كدخول الإيمان٢.
فَالمِلَّةُ: هي الفِطْرَةُ وهي الدِّين٣. ومحالٌ أن يأمر الله سبحانه باتِّباعِ إبراهيمَ في مجرَّدِ الكلمةِ دون الأعمالِ وخصالِ الفطرة، وإنما أمر بمتابعته في توحيدِه وأقوالِه وأفعالِه، وهو ﷺ اختتن امتثالًا لأمر ربِّه الذي أمرَه به وابتلاه به، فوفَّاه كما أُمِرَ، فإن لم نفعلْ كما فعلَ، لم نكن متَّبعينَ له.
(١) بنحوه في طبقات الحنابلة: ١/ ٢٠٦ من رواية عبدالرحمن بن عمرو، أبي زرعة الدمشقي.
(٢) في "أ": لدخول الإيمان.
(٣) انظر معاني الملة في: مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني، ص ٣٧٣، عمدة الحفاظ للسمين الحلبي، ص ٥٥٠.
وأمَّا قولُكم: "قد حُكِمَ في حديث عُثَيْمِ بن كُلَيْب، عن أبيه، عن جده بأنه من رواية إبراهيم بن أبي يحيى".
فالشّافعيُّ كان حَسَنَ الظنِّ به، وغيرُه يضعِّفه، فحديثُه يصلح للاعتضاد بحيث يتقوَّى به، وإن لم يحتجَّ به وحده.
وكذلك الكلامُ في مُرْسَلِ الزُّهْرِيّ، فإذا لم يحتجَّ به وَحْدَهُ، فإنَّ هذه المرفوعاتِ والموقوفاتِ والمراسيلَ يشدُّ بعضها بعضًا.
وكذلك الكلامُ في حديث موسى بنِ إسماعيلَ وشبهه.
وأمَّا قولُكم: "إن ابن عبَّاس تفرَّد بقوله في الأقْلَفِ: لا تُؤكَلُ ذبيحتُه، ولا صلاةَ له".
فهذا قول صحابيٍّ، وقد احتجَّ الأئمةُ الأربعةُ وغيرهم بأقوال الصحابة، وصرَّحوا بأنها حُجَّة١، وبالغ الشّافعيُّ في ذلك، فجعل مخالفتَها٢ بدعةً. كيف ولم يحفظ عن صحابيٍّ خلافُ ابنِ عبَّاس!
ومثل هذا التَّشديدُ والتَّغليظ لا يقولُه عالمٌ مثلُ ابنِ عبَّاسٍ في تَرْكِ مندوبٍ يُخيَّر الرجلُ بين فِعْله وتَرْكه.
(١) انظر: أصول السرخسي: ٢/ ١٠٥ وما بعدها، إعلام الموقعين عن رب العالمين للمصنف: ١/ ٢٩ وما بعدها، و٤/ ١٢٠ - ١٦٥.