تحفة المودود
فمررتُ بينَ يدَي بعضِ الصفِّالحديث١.

والذي عليه أكثرُ أهلِ السِّيَرِ والأخبارِ، أنَّ سنَّه كان يوم وفاة النبيّ ﷺ ثلاث عشرة سنة، فإنه وُلِد في الشِّعب، وكان قبل الهجرة بثلاث سنين، وأقام رسولُ الله ﷺ بالمدينة عشرًا، وقد أخبرَ أنّه كان حينئذٍ مختونًا.

قالوا: ولا يجبُ الختانُ قبلَ البُلُوغِ، لأنَّ الصبيَّ ليس أهلًا لوجوبِ العباداتِ المتعلِّقة بالأبدانِ، فما الظنُّ بالجَرْحِ الذي وَرَدَ التَّعَبُّدُ به٢؟

ولا ينتقضُ هذا بالعِدَّة التي تجبُ على الصغيرةِ، فإنَّها لا مُؤنةَ عليها فيها، إنَّما هي مُضِيُّ الزَّمانِ.

قالوا: إذا بلغ الصبيُّ وهو أَقْلَفُ، أو المرأةُ غير مختونةٍ، ولا عُذْرَ لهما، ألْزَمَهما السُّلطانُ به.

وعندي: أنه يجب على الوليِّ أن يختنَ الصبيَّ قبل البلوِغ بحيثُ

  1. (١) أخرجه البخاري في العلم، باب متى يصح سماع الصغير: ١/ ١٧١، وفي مواضع أخرى، ومسلم في الصلاة، باب سترة المصلي: ١/ ٣٦١ برقم (٥٠٤).
  2. (٢) انظر: فتح باب العناية للقاري: ١/ ٣٧، وجُمَلُ الأحكام للنَّاطفي، ص ١٩١، والكافي لابن عبدالبر: ٢/ ٥٨٨، والمقدمات الممهدات لابن رشد:
    ٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨، ونهاية المطلب للجويني: ١٧/ ٣٥٥، والبيان للعمراني: ٢/ ١٩٦، والحاوي الكبير للماوردي: ١٣/ ٤٤٣، والمجموع للنووي: ١/ ١٦٦، والمغني لابن قدامة: ١/ ١١٥، والإشراف لابن المنذر: ٣/ ٤٢٤.
264

يبلغُ مختونًا، فإنَّ ذلك ممالا يتمُّ الواجبُ إلّا بهِ١.

وأمَّا قولُ ابنِ عبَّاس: وكانوا لا يختنونَ الرَّجلَ حتى يُدْرِكَ، أي حتى يُقارِبُ البلوغَ، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق/٢]. وبعد بلوغِ الأجَلِ لا يتأتَّى الإمساكُ، وقد صرَّح ابن عبَّاسٍ أنه كان يومَ موتِ النبيّ ﷺ مختونًا، وأَخْبرَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ التي عاشَ بعدها رسولُ الله ﷺ بضعةً وثمانينَ يومًا، أنّه كان قد نَاهَزَ الاحتلامَ، وقد أمر النبيُّ ﷺ الآباءَ أن يأمُروا أولادَهم بالصَّلاةِ لسبعٍ، وأنْ يَضْرِبُوهُمْ على تَرْكِهَا لِعَشْرٍ٢، فكيفَ يَسُوغُ لهم تَرْكُ ختانِهم حتى يجاوزوا البلوغ، والله أعلم.

  1. (١) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن مسلم بالغ عاقل يصوم ويصلي، وهو غير مختون وليس مطهّرًا هل يجوز ذلك؟ ومن ترك الختان كيف حكمه؟
    فأجاب: إذا لم يخف عليه ضرر الختان فعليه أن يختتن؛ فإن ذلك مشروع مؤكَّد للمسلمين باتفاق الأئمة. وهو واجب عند الشافعي وأحمد في المشهور عنه. وقد اختتن إبراهيم الخليل ﵇ بعد ثمانين من عمره. ويُرجع في الضرر إلى الأطباء الثقات، وإذا كان يضره في الصيف أخَّره إلى زمان الخريف. انظر: مجموع الفتاوى: ٢١/ ١١٤.
  2. (٢) عن عبدالملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ: "مروا الصبيَّ بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" أخرجه
    أبو داود في الصلاة، باب متى يؤمر الغلام بالصلاة: ١/ ٢٧٠ (تهذيب المنذري)، والترمذي في الصلاة، باب متى يؤمر الصبي: ٢/ ٢٤٥، والإمام أحمد: ٢/ ١٨٠، وفي طبعة الرساله: ١١/ ٢٨٤.
265

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي