منها شيئًا ازدادتْ غُلْمَتُهَا، فإذا أخذتْ منها وأبقتْ، كان في ذلك تعديلًا للخِلقة والشَّهوة.
هذا مع أنَّه لا يُنْكَر أن يكونَ قَطْعُ هذه الجلدةِ عَلمًا على العبوديَّة، فإنك تجد قطْعَ طرفِ الأُذُنِ وكيَّ الجبهةِ ونحو ذلك في كثيرٍ من الرَّقيق علامةً لرِقِّهِم وعبودِيَّتِهِم، حتى إذا أبَقَ رُدَّ إلى مالكه بتلك العلامة، فما يُنكر أن يكونَ قطْع هذا الطرف عَلَمًا على عبوديةِ صاحبِه لله - سبحانه - حتى يَعرفَ الناسُ أنَّ من كان كذلك فهو من عبيدِ الله الحنفاءِ، فيكون الختانُ عَلَمًا لهذه السنَّة التي لا أشرفَ منها، مع ما فيه من الطهارة والنظافة والزينة وتعديل الشهوة!
وقد ذُكِرَ في حكمةِ خَفْضِ النِّساء: أنَّ سارةَ لما وهبتْ هاجَرَ لإبراهيمَ أصابَها، فحملتْ منه، فغارتْ سارةُ، فحلفت لتقطعنَّ منها ثلاثةَ أعضاء، فخاف إبراهيمُ أنْ تَجْدَعَ أنْفَهَا وتقطعَ أُذُنَيْهَا، فأمرَها بِثَقْبِ أذنيها وختانها، وصار ذلك سُنَّة في النساء بَعْدُ١.
ولا يُنكر هذا، كما كان مبدأُ السَّعي، سعيَ هاجرَ بينَ جَبَلَيْنِ، تَبْتَغِي لابنها القُوتَ، وكما كان مبدأُ رَمْي الجِمَارِ حَصْبَ إسماعيلَ للشيطانِ لمَّا ذهب مع أبيه، فَشَرعَ اللهُ - سبحانه - لعبادِه تذكرةً وإحياءً لسنَّة خليله، وإقامةً لذِكْرِه، وإعظامًا لعُبوديَّته، والله أعلم.
قال أبو البركات في كتابه «الغاية»١: ويُؤخذُ في ختانِ الرَّجلِ جلدةُ الحَشَفَةِ، وإن اقتصر على أخْذِ أكثرِها جازَ، ويُستحبُّ لخافِضَةِ الجَارِيَة أن لا تَحِيْفَ. نَصَّ عليه. وحُكِيَ عن عُمرَ أنه قال للخَاتِنةِ: أبْقِي منه شيئًا إذا خَفَضْتِ.
وقال الخَلّال في «جامعه»: «ذكر ما يقطع في الختان»: أخبرني محمَّد بن الحُسَين، أنَّ الفضل بنَ زياد حدَّثهم، قال سُئل أَحْمَدُ: كم يقطعُ في الخِتَانةِ؟ قال: حتى تَبْدُوَ الحَشَفَةُ.
وأخبرني عبد الملك الميموني قال: قلت: يا أبا عبد الله! مسألة سُئِلتُ عنها: ختَّان ختنَ صبيًا فلم يستقصِ؟
فقال: إذا كان الختانُ قد جازَ نصفَ الحشفة إلى فوق فلا يعتدُّ به؛ لأنَّ الحشفةَ تغلظُ، وكلما غلظتْ هي ارتفعتِ الختانةُ.
(١) أبو البركات مجد الدين المتوفى سنة (٦٥٢) هو جد شيخ الإسلام ابن تيمية، ولعل كتابه هو «منتهى الغاية في شرح الهداية» لأبي الخطاب الكلوذاني. وذكر المرداوي أنه بيّض بعضه وبقي الباقي مسودة. انظر: المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل للدكتور بكر أبو زيد: ٢/ ٧١٤.