وقال الفضل بن زياد: سألتُ أبا عبد الله عن ذبيحةِ الأقْلَفِ؟ فقال: يُرْوَى عن إبراهيمَ والحَسَنِ وغيرهما: أنهم كانوا لا يرون بها بأسًا، إلا شيئًا يُروى عن جابرِ بنِ زيدٍ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه كَرِهَهُ.
قال أبو عبد الله: وهذا يشتدُّ على النَّاس، فلو أنَّ رجلًا أسلمَ وهو كبيرٌ فَخَافُوا عَليهِ الختانَ، أفلا تُؤكل ذبيحتُه١؟
وذكر الخَلّال، عن أبي السَّمْح أَحْمَدَ بنِ عبد الله بنِ ثابتٍ، قال سمعت أَحْمَدَ بنَ حَنْبَل ــ وسئل عن ذبيحة الأقْلَفِ، وذكر له حديث ابن عبَّاس «لا تؤكل ذبيحته» ــ فقال أَحْمَد: ذاك عندي إذا كانَ الرَّجلُ يُولَد بين أبَوَيْن مُسْلِمَيْنِ؛ فيَكْبَر فلا يختتن٢؛ فأمَّا الكبيرُ إذا أسْلمَ وخافَ على نَفْسِه الختانَ؛ فله عندي رخصةٌ.
ثم ذكر قصةَ الحَسَنِ مع أمير البَصرةِ الذي ختنَ الرجالَ في الشتاء، فماتَ بعضُهم.
قال: فكان أَحْمَد يقول: إذا أسلم الكبيرُ وخاف على نفسِه فله عندي عذرٌ٣.
(١) انظر: الترجل للخلال رقم (١٨٠).
(٢) في (ب، ج): فكيف لا يختتن.
(٣) بنحوه في الترجل للخلال برقم (١٧٩). وانظر فيما سبق ص (٢٤٥ و٢٥٨).
الفصل الثاني عشر
في المُسْقِطَاتِ لوجُوبهِ
وهي أمورٌ:
(أحدها): أن يُولَدَ الرجلُ ولا قُلْفةَ له؛ فهذا مستغنٍ عن الختانِ؛ إذ لم يُخلَق له ما يجبُ ختانُه. وهذا متَّفقٌ عليه١.
لكنْ قال بعضُ المتأخِّرينَ: يستحبُّ إمرارُ الموسى على مَوْضِعِ الختانِ، لأنَّه ما يقدرُ عليه من المأمور به٢؛ وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «إذا أمرتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»٣. وقد كان الواجبُ أمرين: مباشرةُ الحديدة، والقطعُ؛ فإذا سقط القطع؛ فلا أقلَّ من استحباب مباشرة الحديدة٤.
(٣) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن المصطفى ﷺ: ١٣/ ٢٥١، ومسلم في الحج، باب فرض الحج في العمر مرة: ٢/ ٩٧٥، برقم (١٣٣٧).
(٤) وهذه المسألة متفرعة عن قاعدة ذكرها ابن رجب فقال: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها، هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟ فإن كان المقدور عليه ليس مقصودًا في العبادة بل هو وسيلة محضة إليها، كتحريك اللسان في القراءة وإمرار الموسى على الرأس في الحلق والختان، فهذا ليس بواجب، لأنه إنما وجب ضرورة القراءة والحلق والقطع، وقد سقط الأصل فسقط ما هو من ضرورته. وأوجبه القاضي في تحريك اللسان خاصة وهو ضعيف جدًا. انظر: تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب: ٣/ ٢٤٠.