(أحدها): أن يُولَدَ الرجلُ ولا قُلْفةَ له؛ فهذا مستغنٍ عن الختانِ؛ إذ لم يُخلَق له ما يجبُ ختانُه. وهذا متَّفقٌ عليه١.
لكنْ قال بعضُ المتأخِّرينَ: يستحبُّ إمرارُ الموسى على مَوْضِعِ الختانِ، لأنَّه ما يقدرُ عليه من المأمور به٢؛ وقد قالَ النبيُّ ﷺ: «إذا أمرتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»٣. وقد كان الواجبُ أمرين: مباشرةُ الحديدة، والقطعُ؛ فإذا سقط القطع؛ فلا أقلَّ من استحباب مباشرة الحديدة٤.
(٣) أخرجه البخاري في الاعتصام، باب الاقتداء بسنن المصطفى ﷺ: ١٣/ ٢٥١، ومسلم في الحج، باب فرض الحج في العمر مرة: ٢/ ٩٧٥، برقم (١٣٣٧).
(٤) وهذه المسألة متفرعة عن قاعدة ذكرها ابن رجب فقال: من قدر على بعض العبادة وعجز عن باقيها، هل يلزمه الإتيان بما قدر عليه منها أم لا؟ فإن كان المقدور عليه ليس مقصودًا في العبادة بل هو وسيلة محضة إليها، كتحريك اللسان في القراءة وإمرار الموسى على الرأس في الحلق والختان، فهذا ليس بواجب، لأنه إنما وجب ضرورة القراءة والحلق والقطع، وقد سقط الأصل فسقط ما هو من ضرورته. وأوجبه القاضي في تحريك اللسان خاصة وهو ضعيف جدًا. انظر: تقرير القواعد وتحرير الفوائد لابن رجب: ٣/ ٢٤٠.
والصَّوابُ: أنَّ هذا مكروهٌ١، لا يُتقرَّبُ إلى الله به؛ ولا يُتَعَبَّدُ بمثله؛ وتُنَزَّه عنه الشريعةُ، فإنَّه عبثٌ لا فائدةَ فيه، وإمرارُ الموسَى غيرُ مقصودٍ، بل هو وسيلةٌ إلى فِعْلِ المقصودِ، فإذا سقط المقصودُ لم يَبْقَ للوسيلةِ معنًى.
ونظير هذا: ما قاله بعضُهم: إن الذي لم يُخلق على رأسه شعرٌ يستحبُّ له في النُّسُك أن يُمِرَّ الموسَى على رأسِهِ٢.
ونظيرُه قولُ بعضِ٣ المتأخِّرينَ مِنْ أصْحَابِ أَحْمَدَ وغيرِهم: إنَّ الذي لا يُحْسِنُ القِراءةَ بالكليَّة ولا الذِّكْرَ، أو الأخْرَسَ: يحرِّكُ لسانَهُ حَرَكةً مجرّدةً٤.
(١) نقل البهوتي هذا الحكم عن المصنف في كشاف القناع: ١/ ١٨١.
(٢) انظر: المبدع لابن مفلح: ٣/ ٢٤٣.
(٣) ساقط من «د».
(٤) قال إمام الحرمين الجويني في نهاية المطلب ٧/ ١٠: «ذكر العراقيون عن نص الشافعي أن الأخرس الذي لا ينطق لسانه بالفاتحة يلزمه أن يحرك لسانه بدلًا عن تحريكه إياه في القراءة .. وهذا مشكل عندي؛ فإن التحريك بمجرده لا يناسب القراءة ولا يدانيها، فإقامته بدلًا بعيدٌ. ثم يلزم من قياس ما ذكروه أن يلزموا التصويت من غير حروف مع تحريك اللسان، وهذا أقرب من التحريك المجرد. وعلى الجملة: فلست أرى ذلك بدلًا عن القراءة لما ذكرته، ثم إذا لم يكن بدلًا فالتحريك الكثير يلحق بالفعل الكثير».