والصَّوابُ: أنَّ هذا مكروهٌ١، لا يُتقرَّبُ إلى الله به؛ ولا يُتَعَبَّدُ بمثله؛ وتُنَزَّه عنه الشريعةُ، فإنَّه عبثٌ لا فائدةَ فيه، وإمرارُ الموسَى غيرُ مقصودٍ، بل هو وسيلةٌ إلى فِعْلِ المقصودِ، فإذا سقط المقصودُ لم يَبْقَ للوسيلةِ معنًى.
ونظير هذا: ما قاله بعضُهم: إن الذي لم يُخلق على رأسه شعرٌ يستحبُّ له في النُّسُك أن يُمِرَّ الموسَى على رأسِهِ٢.
ونظيرُه قولُ بعضِ٣ المتأخِّرينَ مِنْ أصْحَابِ أَحْمَدَ وغيرِهم: إنَّ الذي لا يُحْسِنُ القِراءةَ بالكليَّة ولا الذِّكْرَ، أو الأخْرَسَ: يحرِّكُ لسانَهُ حَرَكةً مجرّدةً٤.
(١) نقل البهوتي هذا الحكم عن المصنف في كشاف القناع: ١/ ١٨١.
(٢) انظر: المبدع لابن مفلح: ٣/ ٢٤٣.
(٣) ساقط من «د».
(٤) قال إمام الحرمين الجويني في نهاية المطلب ٧/ ١٠: «ذكر العراقيون عن نص الشافعي أن الأخرس الذي لا ينطق لسانه بالفاتحة يلزمه أن يحرك لسانه بدلًا عن تحريكه إياه في القراءة .. وهذا مشكل عندي؛ فإن التحريك بمجرده لا يناسب القراءة ولا يدانيها، فإقامته بدلًا بعيدٌ. ثم يلزم من قياس ما ذكروه أن يلزموا التصويت من غير حروف مع تحريك اللسان، وهذا أقرب من التحريك المجرد. وعلى الجملة: فلست أرى ذلك بدلًا عن القراءة لما ذكرته، ثم إذا لم يكن بدلًا فالتحريك الكثير يلحق بالفعل الكثير».
قال شيخنا١: ولو قيل: إنّ الصَّلاة تَبْطُلُ بذلك كان أقربَ، لأنّه عبثٌ يُنَافِي الخُشُوعَ، وزيادةُ عملٍ غير مشروعٍ.
والمقصود: أنَّ هذا الذي وُلِدَ ولا قُلفةَ له، كانت العرب تَزْعُمُ أنَّه إذا وُلِد في القمر تقلّصت قُلْفَتُه وتجمَّعت، ولهذا يقولون: خَتنَهُ القمر. وهذا غير مطّردٍ، ولا هو أمرٌ مستمرٌّ، فلم يزلِ النَّاسُ يُولَدونَ في القمر، والذي يُولد بلا قُلْفةٍ نادرٌ جدًا، ومع هذا فلا يكونُ زوالُ القُلْفَة تامًا، بل يظهرُ رأسُ الحَشَفَةِ، بحيثُ يَبِيْنُ مَخْرَجُ البَوْلِ، ولهذا لا بدَّ من خِتَانِه لتَظْهَرَ تمامُ الحَشَفَةِ. وأمَّا الذي يُسْقِطُ ختانَهُ، فأنْ تكونَ الحشفةُ كلُّها ظاهرةً.
وأخبرني صاحبنا محمَّدُ بنُ عثمانَ الخليليُّ المحدِّث ببيت المقدسِ: أنه ممَّن وُلِدَ كذلك، والله أعلم.
فصل
(الثاني) من مسقطاته: ضَعْفُ المولُودِ عن احْتِمَالِه، بحيث يُخافُ عليه من التَّلفِ، ويستمرُّ به الضَّعفُ كذلك، فهذا يُعذَرُ في تَرْكِهِ، إذْ غايتُه
(١) هو شيخ الإسلام ابن تيمية. وانظر كلامه بنصه في الفتاوى الكبرى: ٥/ ٣٣٦، وفي الاختيارات الفقهية للبعلي ص ١٠٣، ونقله المرداوي في الإنصاف ٢/ ٥٤.