وظاهرُ كَلامِ أصْحَابِنَا أنَّه يَسْقطُ وجوبُه فقط عند خوفِ التَّلَفِ، والذي ينبغي أنْ يمنعَ من فِعْلِهِ، ولا يجوزُ له، وصرَّح به في «شرح الهداية» فقال: يُمْنَعُ منهُ١.
ولهذا نظائرُ كثيرةٌ: منها الاغتسالُ بالماءِ البارد في حالِ قوَّة البَرْدِ والمرضِ، وصومُ المريضِ الذي يُخْشَى تَلَفُه بِصَوْمِهِ، وإقامةُ الحدِّ على المريضِ والحاملِ وغير ذلك، فإنَّ هذه الأعذارَ كلّها تمنعُ إباحةَ الفعلِ، كما تُسقِط وجوبَهُ. والله أعلمُ.
فصل
(الرابع): الموتُ؛ فلا يجبُ خِتَانُ الميِّتِ باتفاقِ الأُمَّة، وهل يستحبُّ؟
فجمهورُ أهلِ العلمِ، على أنَّه لا يُستحبُّ. وهو قولُ الأئمةِ الأربعة٢.
وذكر بعضُ المتأخِّرينَ: أنه مستحبٌّ، وقَاسَهُ على أَخْذِ شَارِبِهِ،
(١) انظر: الإنصاف للمرداوي: ١/ ١٢٤. والهداية لأبي الخطاب، وشرحه للمجد أبي البركات ابن تيمية بعنوان تتمة «الغاية» كما تقدم.
(٢) انظر: فتح القدير لابن الهمام: ١/ ٤٥١، والمجموع شرح المهذب للنووي: ١/ ١٦٦، والمغني لابن قدامة: ٣/ ٤٨٤.
وحَلْقِ عَانَتِهِ، ونَتْفِ إبْطِهِ.
وهذا مخالفٌ لما عليه عمل الأُمَّة، وهو قياسٌ فاسدٌ، فإنَّ أخْذَ الشَّاربِ، وتَقْلِيْمَ الظُّفُرِ، وحَلْقَ العَانةِ، من تمامِ طَهَارتِه وإزَالَةِ وَسَخِهِ ودَرَنِهِ.
وأمَّا الختانُ: فهو قَطْعُ عُضْوٍ من أعضائِه، والمعنى الذي لأجْلِهِ شُرِع في الحياةِ، قد زالَ بِالمَوْتِ فلا مَصْلَحَةَ في خِتَانِه، وقد أَخْبَر النبيُّ ﷺ: أنه يُبعَث يومَ القيامة بِغُرْلَتِه غيرَ مختونٍ١، فما الفائدةُ أن يُقْطَعَ منه عند الموتِ عضوٌ يُبْعَثُ به يَوْمَ القيامةِ، وهو مِن تمامِ خَلْقِه في النَّشْأَةِ الأُخْرَى.
فصل
ولا يَمنعُ الإحرامُ من الختان، نصَّ عليه الإمام أَحْمَد - وقد سئل عن المُحْرِم ـ: يختتن؟ فقال: نعم.
ولم يجعلْه من باب إزالة الشعر وتقليم الظفر، لا في الحياة ولا بعد الموت.
(١) إشارة إلى حديث عائشة ﵂: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا» أخرجه البخاري في الرقاق: ١١/ ٣٧٧ - ٣٧٨، ومسلم في الجنة: ٤/ ٢١٩٤.