تحفة المودود

الأمورِ الشرعيَّة التي لا يُعْقَلُ معناها بعِلَلٍ ما أَضْعَفَها ومَا أَوْهَاهَا.

وممَّا ذكره في كتاب له وَسَمَهُ بـ «الاحتياط»: أن يسجد عَقِبَ كلِّ صلاةٍ يصلِّيها سجدتَي السَّهو وإن لم يكن سَهَا فيها١.

وهذا ممَّا لا يجوزُ فِعْلُه بالإجماعِ، وفاعلُه منسوبٌ إلى الغلوِّ والابتداعِ.

وما حكاه عن صفيَّة بقولها: «فرأيته مختونًا»، يناقضُ الأحاديثَ الأُخَرَ، وهو قوله: «لم يَرَ سَوْأتي أحدٌ»، فكلُّ حديثٍ في هذا الباب يناقضُ الآخرَ، ولا يَثبتُ واحدٌ منها، ولو وُلِدَ مختونًا فليس هذا من خصائصِه ﷺ، فإنَّ كثيرًا من الناس يولَد غيرَ محتاجٍ إلى الختانِ.

قال: وذكر أبو القاسم النسَّابة الزّيديّ، أنَّ أباه القاضي أبا محمَّدٍ الحَسَنَ بنَ محمَّدِ بنِ الحَسَنِ الزيديّ ولد غير محتاج إلى الختان. قال: ولهذا لقب بـ «المطهَّر»، قال: وقال فيما قرأته بخطه: خُلِق أبو محمَّد الحَسَن مطهَّرًا لم يختن، وتوفي كما خُلِقَ. وقد ذكر الفقهاء في كتبهم أن من ولد كذلك لا يختن، واستحسن بعضهم أن يمرَّ الموسى على موضع الختان من غير قطع، والعوامُّ يسمُّون هذا ختان القمر. يشيرون في ذلك إلى أنَّ النموَّ في خِلْقَة الإنسان يحصلُ في زيادةِ القمر٢، ويحصل

  1. (١) انظر: الاحتياطات للحكيم الترمذي، ص ٣٣٠ - ٣٣١ مخطوط بدار الكتب المصرية رقم ٢١٨٩٥ ب.
  2. (٢) «يشيرون ... زيادةِ القمر» ساقط من «أ».
301

النقصانُ في الخِلْقَة عند نقصانِه، كما يوجد ذلك في الجَزْرِ والمَدِّ، فينسبونَ النقصانَ الذي حصلَ في القُلْفَة إلى نقصانِ القمرِ.

قال: وقد وَردَ في حديثٍ رواه سيف بنُ محمَّد ابنُ أختِ سفيانَ الثَّوريّ، عن هشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ عن النبيِّ ﷺ قال: «ابنُ صيَّاد وُلِد مسرورًا مختونًا»١. وسيفٌ مطعونٌ في حَديثهِ.

وقيل: إنَّ قَيْصَرَ مَلِكَ الرُّومِ الذي وَرَدَ عليه امْرُؤ القَيس وُلِدَ كذلك، ودخل عليه امْرُؤ القَيس الحمّامَ فرآه كذلك، فقال يهجوه:

إنِّي حَلَفْتُ يَمِيْنًا غَيْرَ كَاذِبَةٍلَأَنْتَ أَغْلَفُ إلّا مَا جَنَى الْقَمَرُ٢

يعيِّره أنه لم يختتنْ، وجعل ولادته كذلك نقصًا. وقيل إنَّ هذا البيتَ أحدُ الأسبابِ الباعثةِ لِقَيْصَرَ على أنْ سَمَّ امرأ القَيْس فمات.

وأنشد ابنُ الأعْرَابيّ فيمن وُلدَ بلا قُلْفَةٍ٣:

فَذَاكَ نِكْسٌ لا يَبِضُّ حَجَرُهْمُخَرَّقُ العِرْضِ حَدِيدٌ مَنْظَرُهْ
فِي لَيْلِ كَانُون شَدِيدٍ خَصَرُهْعَضَّ بِأَطْرَافِ الزُّبَانَى قَمَرُهْ
  1. (١) أخرجه ابن عدي في الكامل: ٣/ ١٢٧.
  2. (٢) البيت لامرئ القيس في ديوانه، ص ٢٨٠، وهو من شواهد اللسان: ٩/ ٢٩١.
  3. (٣) ذكر ابن حمدون هذه الأبيات في التذكرة عن ابن الأعرابي باختلاف في بعض الألفاظ: ٥/ ١٢٥ - ١٢٦. يقول: هو أقلف إلا ما جنى القمر. ويقال: من ولد والقمر في العقرب فهو نحس. وقال الأصمعي: إذا عض أطراف الزبانى القمر: فهو أشد ما يكون من البرد.
302

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي