ويكفي في جوازه علْمُ اللهِ ورسولِهِ١ بفعل الناس له، وإقرارُهم على ذلك، فلو كان مما ينهى عنه لنهى عنه القرآن أو السنَّة.
فإن قيل: فقد أخبر الله - سبحانه - عن عدوه إبليس، أنه قال: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾[النساء/ ١١٩] أي يقطعونها. وهذا يدلُّ على أنَّ قَطْعَ الأُذُنِ وشقَّهَا وثَقْبَها من أمر الشيطان، فإنَّ «البَتْك»: هو القَطْعُ، وثَقْبُ الأذنِ قطعٌ لها، فهذا مُلْحَقٌ بقَطْعِ أذُنِ الأنعامِ.
قيل: هذا من أفسد القياس، فإنَّ الذي أمرهم به الشيطانُ أنَّهم كانوا إذا وَلَدَتْ لهم الناقةُ خمسةَ أبْطُن فكان البطنُ السَّادسُ ذكرًا، شقُّوا أذُنَ الناقةِ، وحرَّموا ركوبَها والانتفاعَ بها، ولم تُطْرَدْ عن ماء ولا عن مَرْعَى، وقالوا: هذه بَحِيرَةٌ، فَشرَعَ لهم الشيطانُ في ذلك شريعةً من عنده.
فأين هذا من نَخْسِ٢ أذُنِ الصَّبِيَّة ليوضع فيها الحِلْيةُ التي أباحَ اللهُ لها أن تتحلَّى بها؟
(١) «علم الله ورسوله» ساقط من «ج».
(٢) في «ج»: بخش.
وأما ثَقْبُ أذُنِ الصَّبِيِّ١، فلا مصلحةَ له فيه، وهو قطعُ عضوٍ من أعضائهِ، لا لمصلحةٍ دينيةٍ ولا دنيويةٍ، فلا يجوزُ.
ومن أعجب ما في هذا الباب، ما قال الخطيبُ في «تاريخه»: أخبرنا الحَسَنُ بنُ عليّ الجَوْهَرِيُّ، حدَّثنا محمَّد بنُ العبَّاسِ الخزَّازُ، حدّثنا أبُو عَمرو عثمانُ بنُ جعفر المعروف بابن اللبَّان٢، حدّثنا أبو الحَسَنِ بنُ عليّ بنِ إسْحَاقَ بنِ راهُويَه، قال: ولد أبي من بطن أمِّه مثقوبَ الأذنين، قال: فمضى جدِّي رَاهُويَه إلى الفضل بن موسى السِّينانيّ، فسأله عن ذلك، وقال: ولد لي ولدٌ خرجَ من بطن أُمِّه مثقوبَ الأذنين. فقال: يكونُ ابنُك رأسًا إمَّا في الخير، وإمَّا في الشرِّ٣.
فكأنَّ الفضل بنَ موسى - والله أعلم - تفرَّسَ فيه، أنَّه لما تفرَّد عن المولُودِيْنَ كلِّهم بهذه الخاصة أن يَنْفَرِدَ عنهم بالرئاسة في الدِّين أو الدُّنيا.
وقد كان ﵀ رأس أهل زمانه في العلم والحديث والتفسير والسنَّة، والجلالة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكَسْرِ الجَهْمِيَّة وأهل البِدَعِ ببلاد خُرَاسَان، وهو الذي نشر السنَّة في بلاد خراسان، وعنه انتشرت هناك، وقد كان له مقاماتٌ محمودة عند
(١) «ليوضع فيها الحلية ... أذن الصّبي» ساقط من «ج».