وأما ثَقْبُ أذُنِ الصَّبِيِّ١، فلا مصلحةَ له فيه، وهو قطعُ عضوٍ من أعضائهِ، لا لمصلحةٍ دينيةٍ ولا دنيويةٍ، فلا يجوزُ.
ومن أعجب ما في هذا الباب، ما قال الخطيبُ في «تاريخه»: أخبرنا الحَسَنُ بنُ عليّ الجَوْهَرِيُّ، حدَّثنا محمَّد بنُ العبَّاسِ الخزَّازُ، حدّثنا أبُو عَمرو عثمانُ بنُ جعفر المعروف بابن اللبَّان٢، حدّثنا أبو الحَسَنِ بنُ عليّ بنِ إسْحَاقَ بنِ راهُويَه، قال: ولد أبي من بطن أمِّه مثقوبَ الأذنين، قال: فمضى جدِّي رَاهُويَه إلى الفضل بن موسى السِّينانيّ، فسأله عن ذلك، وقال: ولد لي ولدٌ خرجَ من بطن أُمِّه مثقوبَ الأذنين. فقال: يكونُ ابنُك رأسًا إمَّا في الخير، وإمَّا في الشرِّ٣.
فكأنَّ الفضل بنَ موسى - والله أعلم - تفرَّسَ فيه، أنَّه لما تفرَّد عن المولُودِيْنَ كلِّهم بهذه الخاصة أن يَنْفَرِدَ عنهم بالرئاسة في الدِّين أو الدُّنيا.
وقد كان ﵀ رأس أهل زمانه في العلم والحديث والتفسير والسنَّة، والجلالة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكَسْرِ الجَهْمِيَّة وأهل البِدَعِ ببلاد خُرَاسَان، وهو الذي نشر السنَّة في بلاد خراسان، وعنه انتشرت هناك، وقد كان له مقاماتٌ محمودة عند
(١) «ليوضع فيها الحلية ... أذن الصّبي» ساقط من «ج».
(٢) في «ج»: الكبار.
(٣) تاريخ بغداد للخطيب: ٦/ ٣٤٧.
السلطان، يُظْفِرُه الله فيها بأعدائه ويخزيهم على يديه حتى تعجَّب منه السلطان والحاضرون، حتى قال محمَّد بن أَسْلَمَ الطُّوسيُّ: لو كان الثَوْري حيًّا لاحتاج إلى إسْحَاق. فأُخبر بذلك أَحْمَد بنُ سعيد الرّباطيّ فقال: والله لو كان الثَوْري، وابن عُيَيْنَة، والحمَّادان في الحياة، لاحتاجوا إلى إسْحَاق. فأُخبر بذلك محمَّد بن يحيى الصفَّار فقال: والله، لو كان الحَسَنُ البصريُّ حيًّا لاحتاج إلى إسْحَاق في أشياء كثيرة١.
وكان الإمام أَحْمَد يسمِّيه أميرَ المؤمنين. وسنذكر هذا وأمثاله في كتاب نُفْرِدُه لمناقبه إن شاء الله تعالى.٢
ونذكر حكاية عجيبة يُستدلُّ بها على أنه كان رأس أهل زمانه: قال الحاكم أبو عبد الله في «تاريخ نيسابور» أخبرني أبو محمَّد بن زياد قال: سمعت أبا العبَّاس الأزْهَرِيَّ قال: قال سمعت عليَّ بن سلَمَةَ يقول: كان إسْحَاق عند عبد الله بن طاهر وعنده إبراهيم بن أبي صالح، فسأل عبدُالله بن طاهر إسْحَاقَ عن مسألة. فقال إسْحَاق: السنَّة فيها كذا وكذا، وأما النُّعمان وأصحابه فيقولون بخلاف هذا.
فقال إبراهيم: لم يقل النعمان بخلاف هذا.
(١) تاريخ بغداد للخطيب: ٦/ ٣٤٩. وانظر: سير أعلام النبلاء للذهبي: ١١/ ٣٧١ وما بعدها.
(٢) ومن هنا جعل الشيخ بكر أبوزيد ﵀ «مناقب إسحاق بن راهويه» ضمن كتب المصنف. انظر كتابه: ابن قيم الجوزية: حياته وآثاره وموارده، ص ٣٠٥.