وذهب إلى القولِ بهذه الأحاديثِ جمهورُ أهلِ العلمِ من أهل الحديثِ والفقهِ، حتى ذهب داود إلى طهارةِ بولِ الغُلامِ. قال: لأنّ النّصَّ إنَّما ورد بنَضْحِه ورشِّه دون غَسله، والنَّضْحُ والرشُّ لا يُزيلُه١.
وقال فقهاء العراق: لا يجزئُ فيه إلا الغَسْلُ فيهما جميعًا. هذا قولُ النَّخْعِيِّ، والثَوْريِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابهِ؛ لعموم الأحاديث الواردة بغَسْل البول، وقياسًا على سائر النجاسات، وقياسًا لبول الغُلام على بول الجَارِيَة٢.
والسنَّة قد فرقت بين البَوْلَين صريحًا، فلا يجوز التَّسويةُ بينَ ما صرَّحَتْ به السُّنَّةُ بالفَرْق بيْنَهُما.
وقالت طائفة؛ منهم الأوْزَاعِيُّ، ومالكٌ - في رواية الوليد بن مُسْلِم عنه ـ: يُنضح بولُ الغُلام والجَارِيَة دفعًا للمشقَّة؛ لعموم الابتلاء بالتَّربية
(٣) قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم ٢/ ١٩٨: «اختلف العلماء في كيفية طهارة بول الصبي والجارية على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا: الصحيح المشهور المختار: أنه يكفي النضح في بول الصبي، ولا يكفي في بول الجارية، بل لا بد من غسله كسائر النجاسات. والثاني: أنه يكفي النضح فيهما. والثالث: لا يكفي النضح فيهما. .. وممن قال بالفرق: عليُّ بن أبي طالب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وجماعة من السلف وأصحاب الحديث، وابن وهب من أصحاب مالك ﵄، وروي عن أبي حنيفة. وممن قال بوجوب غسلهما: أبو حنيفة ومالك في المشهور عنهما، وأهل الكوفة. واعلم أن هذا الخلاف إنما هو في كيفية تطهير الشيء الذي بال عليه الصبي، ولا خلاف في نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبي، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري، قال الخطَّابي وغيره: وليس تجويز من جوَّز النضح في الصبي من أجل أنَّ بوله ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، فهذا هو الصواب. وأما ما حكاه أبو الحسن بن بطال ثم القاضي عياض عن الشافعي وغيره أنهم قالوا: بول الصبي طاهر فينضح، فحكاية باطلة قطعًا». وانظر: الأوسط لابن المنذر: ٢/ ١٤٤، وفتح العزيز للرافعي: ١/ ٦٤ - ٦٦.