وينبغي أن يُقتصرَ بهم على اللَّبَنِ وحدَه إلى نباتِ أَسنانِهم؛ لضَعْفِ مَعِدَتِهم وقوَّتِهِمْ الهَاضِمَةِ عن الطعامِ، فإذا نبتتْ أسنانُه قَوِيَت معدته، وتغذَّى بالطعام، فإنَّ اللهَ - سبحانه - أخَّر إنباتَها إلى وقتِ حاجتِه إلى الطعامِ لحِكْمَتِه ولُطْفهِ، ورحمةً منه بالأُمِّ وحَلَمَةِ ثَدْيِها، فلا يعضُّه الولدُ بأَسْنَانِهِ.
فصل
وينبغي تَدْرِيْجُهم في الغذاءِ، فأوَّل ما يُطْعِمُونَهُمْ: الغذاء الليِّن، فيطعمونهم الخبزَ المنقوعَ في الماء الحار، واللبن الحليب، ثم بعد ذلك الطبيخ، والأمراق الخالية من اللحم، ثم بعد ذلك ما لَطُف جدًّا من اللحم بعد إحكام مضغه، أو رضّه رضًّا ناعمًا.
فصل
فإذا قَرُبوا من وقت التكلُّم، وأُريد تسهيل الكلام عليهم، فَلْتُدْلَكْ ألسنتُهم بالعسل والملح الأَنْدَرَانِيّ١ لما فيهما من الجلاء للرُّطوبات الثقيلة المانعة من الكلام. فإذا كان وقتُ نُطْقِهم فلْيُلَقَّنُوا: «لا إله إلا الله محمَّد رسول الله»، ولْيَكُن أوَّل ما يقرع مسامعهم معرفة الله سبحانه، وتوحيده، وأنه سبحانه فوق عرشه ينظر إليهم، ويسمع كلامهم، وهو معهم أينما كانوا.
(١) قال الزبيدي في «تاج العروس» ١٤/ ١٩٦: «صوابه (ذَرْآني) أي شديد البياض». انظر: المفردات لابن البيطار: ٢/ ١٦٤.
وكان بنو إسرائيل كثيرًا ما يسمُّون أولادهم بـ «عمانويل» ومعنى هذه الكلمة: إلهنا معنا١، ولهذا كان أحبُّ الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرَّحمن، بحيث إذا وَعَى الطفلُ وعَقَلَ، عَلِم أنه: عبد الله، وأنّ الله هو سيّده ومولاه.
فصل
فإذا حضر وقت نبات الأسنان، فينبغي أن تُدلَك لِثَاهُمْ٢ كلَّ يوم بالزُّبْد والسَّمْن، ويُمرَّخَ خَرَزُ العنق تمريخًا كثيرًا، ويُحْذَر عليهم كلَّ الحذر - وقت نباتها إلى حين تكاملها وقوَّتها - من الأشياء الصُّلبة، ويُمنعون منها كلَّ المنع، لما في التَّمكين منها من تعريض الأسنان لفسادها وتعويجها وخللها.
فصل
ولا ينبغي أن يَشُقَّ على الأبوين بكاءُ الطفل وصُراخُه، ولاسيَّما لشربه اللبن إذا جاع، فإنه ينتفع بذلك البكاء انتفاعًا عظيمًا، فإنه يروِّض أعضاءه ويوسِّع أمعاءه، ويفسح صدره، ويسخِّن دماغه، ويحمي مزاجه، ويثير حرارته الغريزية، ويحرِّك الطبيعة لدفع ما فيها من الفضول، ويدفع فضلات الدماغ من المخاط وغيره٣.
(١) انظر: قاموس الكتاب المقدس ص ٦٩.
(٢) اللِّثَى: جمع اللّثَةِ وهي لحم الأسنان. انظر: لسان العرب: ١٥/ ٢٤١.