وروى في «صحيحه» أيضًا: عن أُسامةَ بنِ زيدٍ، أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أَعْزِلُ عن امرأتي. فقال له رسولُ الله ﷺ لِمَ تفعلُ ذلك؟ فقال الرجل: أُشْفِقُ على وَلَدِهَا، أو على أوْلَادِهَا١. فقال رسولُ الله ﷺ: «لو كانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضرَّ فارسَ والرُّومَ»٢.
وعن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقتُلوا أَوْلادَكم سرًّا، فو الَّذي نفسي بيدِه إنَّه لَيُدْرِكُ الفَارسَ فَيُدَعْثِرُهُ». قالت: قلت: ما يعني؟ قالت: الغِيلَة؛ يأتي الرجلُ امرأتَهُ وهي تُرْضِعُ. رواه الإمام أَحْمَد وأبو داود٣.
(١) «فقال له .. أولادها» ساقط من «أ».
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق: ٢/ ١٠٧٦ برقم (١٤٤٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد: ٦/ ٤٥٣، وفي طبعة الرسالة: ٤٥/ ٥٤٣، وأبو داود في الطب، باب في الغيل: ٥/ ٣٦١ (مع شرح ابن القيم)، وابن ماجه في النكاح: ١/ ٦٤٨، وابن حبان، ص ٣١٧ من (موارد الظمآن)، والطحاوي في مشكل الآثار: ٩/ ٢٨٤. ومعنى يدعثره: يصرعه ويسقطه.
وقد أشكل الجمع بين هذه الأحاديث على غير واحدٍ من أهل العلم، فقالت طائفة: قوله ﷺ: «لقد هممتُ أن أَنْهَى عن الغَيْلِ» أي أحرِّمِه فأمنع منه. فلا تنافي بين هذا، وبين قوله في الحديث الآخر: «ولا تقتُلوا أولادَكم سرًّا» فإن هذا النهي كالمشورة عليهم، والإرشاد لهم إلى ترك ما يُضْعِفُ الولد ويقتُلُه١.
قالوا: والدليل عليه: أن المرأة المُرْضِع إذا باشرها الرجل حرَّك منها دم الطَّمْثِ، وأهاجَه للخروج، فلا يبقى اللَّبَن حينئذٍ على اعتداله وطيب رائحته، وربَّما حبلتِ الموطوءةُ، فكان ذلك من شرِّ الأمور وأضرِّها على الرضيع المغتذي٢ بلبنها، وذلك أن جيِّد الدم حينئذ ينصرف في تغذية الجنين الذي في الرَّحِمِ، فينفذ في غذائه، فإن الجنين لما كان ما يناله ويجتذبه مما لا يحتاج إليه ملائمًا له لأنه متصل بأمه اتِّصال الغرس بالأرض، وهو غير مفارق لها ليلًا ولا نهارًا، وكذلك ينقص دم الحامل٣، ويصير رديئًا فيصير اللَّبَنُ المجتمع في ثديها يسيرًا رديئًا. فمتى حملت المرضع، فمن تمام تدبير الطفل أن يمنع منها، فإنه متى شرب من ذلك اللبن الرديء قتله، أو أثَّر في ضعفه تأثيرًا يجده في كِبَرِهِ،
(١) انظر: زاد المعاد: ٥/ ١٤٧، وعقد الطحاوي بابًا في مشكل الآثار: ٩/ ٢٨٤ - ٢٩٤ لبيان «مشكل ما روي في الغَيْل من كراهة له، ومن همٍّ بنهيٍ عنه، ومن نُهي عنه، وما سوى ذلك مما كان منه فيه» فيحسن مطالعته.