تحفة المودود

فيُدَعْثِرُه عن فَرَسِه. فهذا وجه المشورة عليهم، (والإرشاد إلى تركه، ولم يحرِّمْه عليهم)١، فإن هذا لا يقع دائمًا لكل مولود، وإن عَرَضَ لبعض الأطفال، فأكثرُ الناس يجامعونَ نساءَهم وهنَّ يُرضِعْنَ، ولو كان هذا الضَّررُ لازمًا لكلِّ مولودٍ لاشتركَ فيه أكثرُ النَّاسِ، وهاتانِ الأمَّتانِ الكبيرتانِ فارس والروم٢ تفعلُه، ولا يعمُّ ضررُه أوْلَادَهُمْ.

وعلى كلِّ حال: فالأحْوَطُ إذا حبلتِ المرضعُ أن يُمْنَعَ منها الطفلُ ويلتمسَ مرضعًا غيرها٣. والله أعلم.

فصل

ومما يحتاج إليه الطفل غاية الاحتياج: الاعتناء بأمر خُلُقهِ، فإنَّه ينشأ على ما عوَّده المربِّي في صغره؛ من حَرَدٍ وغضب، ولجَاجٍ وعَجَلَةٍ، وخفَّةٍ مع هَوَاهُ، وطَيْشٍ وحدَّةٍ وجَشَعٍ، فيصعب عليه في كِبَرِه تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاقُ صفاتٍ وهيئاتٍ راسخةً له، فلو تحرَّز منها غاية التحرُّز، فَضَحَتْه - ولا بدَّ - يومًا مّا. ولهذا تجد أكثرَ الناس منحرفةً أخلاقُهم، وذلك من قِبَلِ التربية التي نشأ عليها.

ولذلك يجب أن يجنَّب الصبيُّ إذا عقل: مجالسَ اللهو والباطلِ، والغناء، وسماع الفحش، والبدع، ومنطق السُّوء؛ فإنه إذا علق بسمعه،

  1. (١) «والإرشاد ... عليهم» ساقط من «أ».
  2. (٢) «فارس والروم» ساقط من «ب، د».
  3. (٣) وانظر ما كتبه الدِّهلوي حول هذه الأحاديث في كتابه حجة الله البالغة: ٢/ ٩٩٢ - ٩٩٣.
349

عَسُرَ عليه مفارقتُه في الكبر وعزَّ على وليِّه استنقاذُه منه، فتغيير العوائد من أصعب الأمور، يحتاج صاحبُه إلى اسْتِجْدَادِ طبيعة ثانية. والخروجُ عن حكم الطبيعة عَسِرٌ جدًّا.

وينبغي لوليه أن يجنِّبه الأخذ من غيره غاية التجنب؛ فإنه متى اعتاد الأخذ صار له طبيعة، ونشأ بأن يأخذ لا بأن يُعطي. ويعوِّده البذل والإعطاء، وإذا أراد الولي أن يعطي شيئًا أعطاه إيَّاه على يده ليذوق حلاوة الإعطاء، ويجنِّبه الكذب والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع، فإنه متى سهَّل له سبيل الكذب والخيانة أفْسَدَ عليه سعادة الدنيا والآخرة وحَرَمَه كلَّ خيرٍ.

ويجنِّبه الكسل والبطالة والدعة والراحة، بل يأخذه بأضدادها، ولا يريحه إلا بما يُجِمُّ نَفْسَه وبَدَنَهُ للشُّغل، فإنَّ للكسل والبطالة عواقب سُوءٍ، ومغبَّة ندمٍ، وللجدِّ والتَّعبِ عواقبُ حميدةٌ، إما في الدنيا، وإما في العُقْبَى، وإما فيهما، فأرْوَح١ النَّاس أتعبُ الناس، وأتعب الناس أروح الناس؛ فالسيادة في الدنيا والسعادة في العُقْبَى لا يُوصَل إليها إلا على جسر من التعب. قال يحيى بن أبي كثير٢: لا يُنال العلم براحة الجسم٣.

  1. (١) في «أ»: فأرواح.
  2. (٢) الإمام الحافظ الحجة أبو نصر، يحيى بن صالح الطائي مولاهم، كان طلابة للعلم، توفي سنة (١٢٩)، ترجمته في السِّيَر للذهبي: ٦/ ٢٧ وما بعدها.
  3. (٣) رواه عنه الإمام مسلم في باب أوقات الصلوات الخمس: ١/ ٤٢٨ برقم (١٤٢١).
350

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي