تحفة المودود

عَسُرَ عليه مفارقتُه في الكبر وعزَّ على وليِّه استنقاذُه منه، فتغيير العوائد من أصعب الأمور، يحتاج صاحبُه إلى اسْتِجْدَادِ طبيعة ثانية. والخروجُ عن حكم الطبيعة عَسِرٌ جدًّا.

وينبغي لوليه أن يجنِّبه الأخذ من غيره غاية التجنب؛ فإنه متى اعتاد الأخذ صار له طبيعة، ونشأ بأن يأخذ لا بأن يُعطي. ويعوِّده البذل والإعطاء، وإذا أراد الولي أن يعطي شيئًا أعطاه إيَّاه على يده ليذوق حلاوة الإعطاء، ويجنِّبه الكذب والخيانة أعظم مما يجنبه السم الناقع، فإنه متى سهَّل له سبيل الكذب والخيانة أفْسَدَ عليه سعادة الدنيا والآخرة وحَرَمَه كلَّ خيرٍ.

ويجنِّبه الكسل والبطالة والدعة والراحة، بل يأخذه بأضدادها، ولا يريحه إلا بما يُجِمُّ نَفْسَه وبَدَنَهُ للشُّغل، فإنَّ للكسل والبطالة عواقب سُوءٍ، ومغبَّة ندمٍ، وللجدِّ والتَّعبِ عواقبُ حميدةٌ، إما في الدنيا، وإما في العُقْبَى، وإما فيهما، فأرْوَح١ النَّاس أتعبُ الناس، وأتعب الناس أروح الناس؛ فالسيادة في الدنيا والسعادة في العُقْبَى لا يُوصَل إليها إلا على جسر من التعب. قال يحيى بن أبي كثير٢: لا يُنال العلم براحة الجسم٣.

  1. (١) في «أ»: فأرواح.
  2. (٢) الإمام الحافظ الحجة أبو نصر، يحيى بن صالح الطائي مولاهم، كان طلابة للعلم، توفي سنة (١٢٩)، ترجمته في السِّيَر للذهبي: ٦/ ٢٧ وما بعدها.
  3. (٣) رواه عنه الإمام مسلم في باب أوقات الصلوات الخمس: ١/ ٤٢٨ برقم (١٤٢١).
350

ويُعَوِّدُه الانتباهَ آخر الليل، فإنَّه وقت قسم الغنائم، وتفريق الجوائز، فمستقلٌّ ومستكثرٌ ومحروم، فمتى اعتاد ذلك صغيرًا سهل عليه كبيرًا.

فصل

ويجنِّبه فضول الطعام والكلام والمنام ومخالطة الآثام، فإن الخسارة في هذه الفضلات، وهي تفوِّت على العبد خير دنياه وآخرته.

ويجنِّبه مضارَّ الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية التجنب، فإن تمكينه من أسبابها والفَسْح له فيها يُفْسِده فسادًا يعزُّ عليه بعده صلاحه، وكم ممن أشْقَى ولدَه وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه، وإعانته له على شهواته. ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه، وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه، ففاته انتفاعه بولده، وفوَّت عليه حظَّه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرتَ الفساد في الأولاد رأيتَ عامَّتَه من قِبَلِ الآباء.

فصل

والحذرَ كلَّ الحذرِ من تمكينه من تناول ما يزيل عقله من مُسْكِر وغيره، أو عِشْرِةِ من يخشى فساده، أو كلامه له، أو الأخذ في يده، فإن ذلك الهلاك كله، ومتى سهل عليه ذلك فقد استسهل الدِّيَاثَةَ١، «ولا

  1. (١) الدِّياثة: فعل الديُّوث، وهو الرجل الذي لا غيرة له على أهله. انظر: المصباح المنير: ١/ ٢٠٥.
351

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي