يَدْخُلُ الجنَّة دَيُّوثٌ»١ فما أفسد الأبناءَ مثلُ تغفُّل٢ الآباء وإهمالهم، واستسهالهم شرر النار بين الثياب!
فأكثر الآباء يعتمدون مع أولادهم أعظم ما يعتمد العدوُّ الشديد العداوة مع عدوِّه، وهم لا يشعرون. فكم من والد حرم ولده خير الدنيا والآخرة، وعرَّضه لهلاك الدنيا والآخرة. وكلُّ هذا عواقبُ تفريطِ الآباء في حقوق الله. وإضاعتُهم لها، وإعراضُهم عمَّا أوجب اللهُ عليهم من العلم النافع، والعمل الصالح= حَرَمَهُم الانتفاعَ بأولادهم، وحَرَم الأولادَ خيرَهم ونَفْعَهم لهم، وهو من عقوبة الآباء٣.
فصل
ويجنِّبه لُبْسَ الحرير، فإنه مُفسد له، ومخنِّث لطبيعته، كما يجنِّبه٤ اللواط، وشرب الخمر، والسرقة والكذب؛ وقد قال النبيّ ﷺ: «حُرِّم
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده برقم (٦٤٢)، وبلفظ: ثلاثة لايدخلون الجنة .. وذكر منهم الديوث. وأخرجه النسائي في الكبرى: ١/ ٨٣ برقم (٢٣٥٤)، وعبد الرزاق في المصنف (الجامع لمعمر): ١١/ ٢٤٢، والحاكم في المستدرك: ١/ ٧٢، والبيهقي في السنن: ١٠/ ٢٢٦. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم (٢٥٦٢). وانظر: الترغيب والترهيب للمنذري: ٥/ ١٠
(٢) في «ب»: تفضل.
(٣) في «ب»: عقوق الآباء.
(٤) في (أ، ج، د): يخنثه، وهو تصحيف.
الحريرُ والذَّهبُ على ذكورِ أُمَّتي، وأُحِلَّ لإناثِهم»١.
والصبيُّ وإن لم يكن مكلّفًا، فوليُّه مكلَّف لا يحلُّ له تمكينه من المحرَّم، فإنه يعتاده، ويعسر فطامه عنه. وهذا أصح قولي العلماء.
واحتجَّ من لم يره حرامًا عليه: بأنه غير مكلَّف؛ فلم يحرَّم لبسه للحرير كالدابَّة٢.
وهذا من أفسد القياس؛ فإنَّ الصبي وإن لم يكن مكلَّفًا؛ فإنَّه مستعدٌّ للتكليف؛ ولهذا لا يُمَكَّن من الصلاة بغير وضوء؛ ولا من الصلاة عُرْيَانًا ونجسًا؛ ولا مِن شُرب الخَمْر والقِمَار واللِّواط.
فصل
وممَّا ينبغي أن يُعتمد: حالُ الصبيِّ وما هو مستعدٌّ له من الأعمال ومهيَّأ له منها؛ فيعلَّم أنه مخلوق له؛ فلا يحمله على غير ما كان مأذونًا فيه شرعًا. فإنه إن حمله على غير ما هو مستعدٌّ له لم يفلح فيه، وفاتَه ما هو مهيَّأ له. فإذا رآه حسن الفهم، صحيح الإدراك، جيِّد الحفظ واعيًا، فهذه من علامات قَبوله وتهيُّئِه للعلم، فَلْيَنْقُشْه في لوح قلبه ما دام خاليًا،
(١) أخرجه الترمذي في اللباس، باب ما جاء في الحرير والذهب: ٤/ ٢١٧ عن أبي موسى الأشعري. وقال: «هذا حديث حسن صحيح». وقال: «وفي الباب عن عمر وعلي وعقبة بن عامر وأنس وحذيفة وأم هانئ وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وعبد الله بن الزبير وجابر وأبي ريحان وابن عمر والبراء وواثلة بن الأسقع»، وبنحوه أخرجه النسائي في باب تحريم لبس الذهب برقم (٥١٧٠).