تحفة المودود

فإنه يتمكَّن فيه ويستقرُّ، ويزكو معه. وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعدٌّ للفروسيَّة وأسبابها من الرُّكوب والرَّمي، واللعب بالرُّمح، وأنه لا نفاذ له في العلم، ولم يُخْلَقْ له= مكَّنه من أسباب الفروسيَّة والتمرُّن عليها، فإنه أنفع له وللمُسلمين. وإن رآه بخلاف ذلك، وأنه لم يخلق لذلك، ورأى عينه مفتوحة إلى صنعة من الصنائع، مستعدًّا لها، قابلًا لها، وهي صناعة مباحة نافعة للناس= فليمكنه منها.

هذا كلُّه بعد تعليمه ما يحتاج إليه في دينه، فإن ذلك ميَسَّر على كلِّ أحد؛ لتقوم حُجَّةُ الله على العبد، فإنَّ له على عباده الحجَّة البالغةَ، كما له عليهم النعمة السابغة، والله أعلم.

354

الباب السَّابع عشر

في أَطوارِ ابنِ آدمَ من وقتِ كَوْنهِ نُطفةً إلى استِقرَارهِ في الجنَّة أو النَّارِ

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ١٢ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ١٣ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ١٤ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون/ ١٢ - ١٦].

فاستوعب - سبحانه - ذِكْرَ أحوال ابن آدم قبل كونه نطفةً، بل ترابًا وماءً إلى حين بعثه يوم القيامة؛ فأول مراتب خلقه أنه سُلالةٌ من طين، ثم بعد ذلك سُلالة من ماء مَهِين، وهي النطفة التي اسْتُلَّت من جميع البدن، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم يقلب الله سبحانه تلك النطفة التي انسلَّت علقة. وهي قطعة سوداء من دم، فتمكث كذلك أربعين يومًا أخرى، ثم يصيِّرها - سبحانه - مُضَغَة، وهي قطعة لحم، أربعين يومًا. وفي هذا الطور تقدَّر أعضاؤه وصورته، وشكله وهيئته.

355

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي