فاستوعب - سبحانه - ذِكْرَ أحوال ابن آدم قبل كونه نطفةً، بل ترابًا وماءً إلى حين بعثه يوم القيامة؛ فأول مراتب خلقه أنه سُلالةٌ من طين، ثم بعد ذلك سُلالة من ماء مَهِين، وهي النطفة التي اسْتُلَّت من جميع البدن، فتمكث كذلك أربعين يومًا، ثم يقلب الله سبحانه تلك النطفة التي انسلَّت علقة. وهي قطعة سوداء من دم، فتمكث كذلك أربعين يومًا أخرى، ثم يصيِّرها - سبحانه - مُضَغَة، وهي قطعة لحم، أربعين يومًا. وفي هذا الطور تقدَّر أعضاؤه وصورته، وشكله وهيئته.
واختلف في أول ما يتشكل ويخلق من أعضائه١:
قال قائلون: هو القلب.
وقال آخرون: إنه الدماغ.
وقال آخرون: هو الكبد.
وقال آخرون: فقار الظهر.
فاحتج أرباب القول الأول، بأن القلب هو العضو والأساس الذي هو معدن الحرارة الغريزية الذي هو مركب الحياة٢، فوجب أن يكون هو المقدَّم في الخلق. قالوا: وقد أخبر المشرِّحون أنهم وجدوا في النطفة - عند كمال انعقادها - نقطةً سوداء.
واحتج من قال إنه الدماغ: بأن الدماغ٣ من الحيوان هو العضو الرئيس من الإنسان، وهو مجمع الحواس، وأن الأمر المختص بالحيوان هو الحسُّ والحركة الإرادية، وأصل ذلك من الدماغ، ومنه ينبعث، وإذا كان الخاص بالحيوان هو الحس والحركة الإرادية، وكانا عن هذا العضو، كان هو المقدم٤ في الإيجاد والتكوين.
(١) انظر هذا البحث أيضًا في التبيان في أيمان القرآن للمصنف ص ٥٢٥ - ٥٢٨، ومفتاح دار السعادة: ٢/ ١٩.