واحتج من قال إنه الكبد: بأنه العضو الذي منه النمو والاغتذاء الذي به قوام الحيوان. قالوا: فالنظام الطبيعيُّ يقتضي أن يكون أول متكون: الكبد، ثم القلب، ثم الدماغ، لأن أول فصل الحيوان هو النمو، وليس به في هذا الوقت حاجة إلى حسٍّ، ولا إلى حركة إرادية، لأنه يُعَدُّ بمنزلة النبات، فلا حاجة به حينئذ إلى غير النمو. ولهذا إنما تصير له قوة الحس والإرادة عند تعلُّق النفس به، وذلك في الطور الرابع من أطوار تخليقه، فكان أول الأعضاء خلقًا فيه هو آلة النمو، وذلك الكبد. والذي شاهده أرباب التشريح، حتى إنهم متفقون عليه، أنه أول ما يتبين في خلق جثة الحيوان ثلاث نقط متقاربة بعضها من بعض، يتوهم أنها رسم الكبد والقلب والدماغ ثم يزداد بعضها من بعض بعدًا على امتداد أيام الحمل، فهذا القدر هو الذي عند المشرِّحين، فأما أيّ هذه النقط أقدم وأسبق، فليس عندهم عليه دليل إلا الأَخْلَقُ والأَوْلَى والقياسُ، والله أعلم.
فصل
ثم تُقَدَّرُ مفاصلُ أعضائه، وعظامه وعروقه وعصبه، ويُشَقُّ له السمع والبصر والفم، ويفتق حلقه بعد أن كان رَتْقًا، فيُركَّب فيه اللسان، ويُخطّط شكله وصورته، وتُكْسَى عظامه لحمًا، ويُربَط بعضها إلى بعض أحكم ربط وأقواه، وهو الأسْر الذي قال فيه: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾[الإنسان/ ٢٨]. ومنه الإسار الذي يربط به، ومنه الأسير١.
(١) «الذي قال ... ومنه الأسير» ساقط من «ب».
قال الإمام أحمد: حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا أبو هلال، حدّثنا ثابت، عن صفوان بن محرز، قال: كان نبيُّ الله داودُ ﵇ إذا ذَكرَ عذابَ الله تخلَّعت أوْصَالُه ما يُمْسِكُها إلا الأسْرُ، فإذا ذَكَرَ رحمةَ الله رجعتْ١.
فصل
قال «بقراط» في المقالة الثالثة من «كتاب الأجنَّة»: أنا أحدِّثك كيف رأيت المَنِيَّ ينشأ.
كانت لامرأة من الأهل جارية نفيسة، ولم تكن تحب أن تحبل لئلا ينقص ثمنها، فسمعت الجَارِيَة النساء يقلن: إن المرأة إذا أرادت أن تحمل لم يخرج منها مَنِيُّ الرجل، بل يبقى محتبسًا، ففهمت ذلك، وجعلت ترصده من نفسها، فأحسَّت في بعض الأوقات أنه لم يخرج منها، فبلغني الخبر، فأمرتها أن تطفر إلى خلفها، فطفرت سبع طفرات، فسقط منها المنيُّ بِوَجْبَةٍ شبيهًا بالبيضة غير مطبوخة قد قشر عنها القشر الخارج، وبقيت رطوبتها في جوف الغشاء.
قال: وأنا أقول أيضًا إنه يجري من الأم فضول الرَّحِم ليتغذى بها
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف: ١٣/ ٢٠٢، وأبو نعيم في الحلية: ٢/ ٣٢٨، وهنّاد في الزهد: ١/ ٥٤٥. والأوصال: الأعضاء. والأسْر: الشد والعصب. وانظر التبيان في أيمان القرآن للمصنف ص ٥٥ - ٥٧.