وأصحاب القول الآخر، يحتجون بقوله ﷺ: «لا تُوطَأُ حاملٌ حتى تَضعَ، ولا حائلٌ حتى تُسْتَبْرَأَ بِحَيْضَةٍ»١ فجعل الحيضة دليلًا على عدم الحمل، فلو حاضت الحامل لم تكن الحيضة عَلمًا على براءة رحمها.
والآخرون يجيبون عن هذا: بأن الحيضة عَلَمٌ ظاهرٌ، فإذا ظهر بها الحمل، تبينَّا أنه لم يكن دليلًا، ولهذا يحكم بانقضاء العِدَّة بالحيض ظاهرًا، ثم تبين المرأة حاملًا، والنبيّ ﷺ قسم النساء إلى قسمين: امرأة معلومة الحمل، وامرأة مظنون أنها حامل، فجعل استبراء الأولى بوضع الحمل، والثانية بالحيضة، وهذا هو الذي دلَّ عليه الحديث، لم يدلَّ على أن ما تراه الحامل من الدم في وقت عادتها تصوم معه وتصلي. والله أعلم.
فصل
قال «بُقْراط»: إنَّ العظام تصلب من الحرارة، لأن الحرارة تصلب العظام، وتربط بعضها ببعض، مثل الشجرة التي ترتبط بعضها ببعض.
(١) أخرجه أبو داود في النكاح، باب وطء السبايا: ٣/ ٧٤ - ١٧٥، والإمام أحمد: ٣/ ٦٢، وفي طبعة الرسالة: ١٨/ ١٤٠، والبيهقي: ٥/ ٣٥٩، والطحاوي في مشكل الآثار: ٨/ ٥٣ برقم (٣٠٤٨)، وصححه الحاكم: ٢/ ١٩٥ وسكت عنه الذهبي. وقال ابن حجر في الفتح: ٤/ ٤٢٤: «وليس على شرط الصحيح» وحسّنه في التلخيص الحبير: ١/ ١٧٢. وانظر: تنقيح التحقيق: ١/ ٢٣٤، ونصب الراية: ٤/ ٢٥٢.
وقال: إن العصب جُعِل داخلًا وخارجًا، وجُعِل الرأس بين العاتقين، والعضدان والساعدان في الجانبين، وفرِّج ما بين الرجلين أيضًا، وجُعل في كل مَفْصِلٍ من المَفَاصِل عصب يوثقه ويشدُّه.
قلت: وهو الأسر الذي شُدَّ به الإنسان.
قال: وجُعل الفم ينفتح من تلقاء نفسه، وركب الأنف والأذنان من اللحم، وثُقِبَت الأذنان ثم العينان بعد ذلك، ومُلِئَتا رطوبة صافية.
وكان النبيّ ﷺ يقول في سجوده: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذي خلَقَهُ وصوَّرهُ وشقَّ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ»١. و«الواو» وإن لم تقتضِ ترتيبًا، فتقديمُ السمع في اللفظ يناسب تقدُّمَه في الوجود. ثم تتسع الأمعاء بعد ذلك، ويصير لها تجويف، وترتبط المفاصل، ويرتفع النَّفَس إلى الفم والأنف، ويدخل الاستنشاق في الفم والأنف، وينفتح البطن والأمعاء، ويخرج النَّفَس إلى الفم بدل السُّرّة. فإذا تمَّ ما ذكرنا حضر وقت خروج الجنين، ونزلت فضول من معدته وأمعائه إلى المثانة، ويكون لها طريق من المعدة والأمعاء إلى المثانة، ومنها إلى مجرى البول، وإنما تنفتح هذه كلها ويتسع تجويفها بالاستنشاق، وبه ينفصل بعضها عن بعض على قدر أشكالها.
(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه: ١/ ٥٣٥ برقم (٧٧١) من حديث علي ﵁.