حملت لم يحتج الجنين أول ما يخلق إلى غذاء كثير حتى يتم. فإذا تمَّ له اثنان وأربعون يومًا اغتذى كما ينبغي. وما اجتمع في الأيام الأربعين من الدم الذي ينزل إلى الجنين بقي إلى وقت ولاد المرأة، فإذا ولدت نزل أربعين يومًا.
قلت: في هذا الفصل حديثان صحيحان عن رسول الله ﷺ نذكرهما ونذكر تصديق أحدهما للآخر، ثم نتَعقَّب كلام بقراط، ونبيِّن ما فيه بحول الله وقوته وتوفيقه وتعليمه وإرشاده.
ففي «الصحيحين» من حديثِ ابنِ مَسْعُودٍ قالَ: حدّثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصَّادقُ المصْدُوقُ: «إنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُه في بطن أُمِّه أربعينَ يومًا، ثم يكونُ في ذلكَ عَلَقَةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ في ذلك مُضْغَةً مثلَ ذلك، ثم يُرسِلُ اللهُ المَلَكَ فينفخ فيه الرُّوح، ويُؤْمَر بأربعِ كلماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وأجَلِهِ، وعَمَلِهِ، وشقيٌّ أو سعيدٌ، فَوَالذِي لا إلهَ غيرُه، إنَّ أحدَكُم لَيَعْملُ بعملِ أهل الجنَّةِ حتى ما يَكُونُ بينَه وبينَها إلا ذراعٌ، فيَسْبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ النَّار فيدخلُها، وإنَّ أحدَكم لَيعملُ بعملِ أهلِ النَّار حتى ما يكونُ بينَها وبينَه إلا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الجنَّة فيدخلُها»١.
(١) أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة: ٦/ ٣٠٣ وفي الأنبياء وفي القدر، ومسلم في القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه: ٤/ ٢٠٣٦ - ٢٠٣٧ برقم (٢٦٤٣).
وفي طريقٍ أُخْرَى: «إنَّ خَلْقَ ابنِ آدمَ يُجمعُ في بَطْنِ أُمِّه أربعينَ»١.
وفي أُخْرى: «أَربعينَ ليلةً»٢.
وقال البُخَاريُّ: «أربعينَ يومًا، أو أربعينَ ليلةً»٣.
وفي بعض طرقه: «ثمَّ يبعثُ الله مَلَكًا بأربعِ كلماتٍ: فيكتبُ عَمَلَهُ، وأجَلَهُ، ورِزْقَهُ، وشقيٌّ أوسعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح ...» الحديث٤.
وفي «صحيح مُسْلِم»: من حديث حُذَيْفَةَ بنِ أسيد، يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: «يدخلُ المَلَكُ على النُّطفة بعد ما تستقرُّ في الرَّحِم بأربعين أو خمس وأربعين ليلة، فيقول: يا ربِّ أشقيٌّ أو سعيدٌ؟ فيُكْتَبان، فيقول: أي ربِّ أذكرٌ أم أنثى؟ فيُكتَبان، ويُكتبُ عملُه، وأثرُه، وأجَلُه، ورزقُه، ثم تُطوى الصحف فلا يُزاد فيها ولا يُنْقَصُ»٥.
وقال الإمام أَحْمَد: حدّثني سفيان، عن عَمْرو، عن أبي الطُّفَيْل، عن حُذيفةَ بن أَسيد الغفاريّ، قال سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «يَدخُل
(١) في المواضع السابقة.
(٢) في صحيح مسلم، الموضع السابق.
(٣) في الصحيح، كتاب التوحيد: ١٣/ ٤٤٠.
(٤) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء: ٦/ ٣٦٣.
(٥) أخرجه مسلم في القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه: ٤/ ٢٠٣٧، برقم (٢٦٤٤).