تحفة المودود

المَلَكُ على النُّطفةِ بعد ما تستقرُّ في الرَّحِمِ بأربعينَ ليلةً، فيقولُ: يا ربِّ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقول الله ﷿. فيكتبانِ، فيقولانِ: أذكرٌ أم أنثى؟ فيقولُ الله ﷿. فيكتبانِ، فيُكْتَبُ عَمَلُهُ، وأثَرُهُ، ومُصِيبَتُهُ، ورِزْقُهُ، ثمَّ تُطْوَى الصَّحِيْفَةُ فلا يُزْادُ على مَا فِيْهَا وَلا يُنْقَصُ»١.

وفي «صحيح مُسْلِمٍ»: عن عامرِ بنِ وَاثِلَةَ، أنَّه سمعَ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقول: الشقيُّ من شَقِيَ في بطنِ أُمِّهِ، والسَّعيدُ من وُعِظَ بغيره، فأتى رجلًا من أصحابِ رسولِ الله يقالُ له: حُذيفةُ بن أَسِيْدٍ الغِفَارِيّ فحدَّثه بذلك مِنْ قولِ ابنِ مسعودٍ. فقال: وكيفَ يَشْقَى رجلٌ بغير عملٍ؟ فقال له الرجلُ: أتعجبُ من ذلك؟ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إذا مرَّ بالنطفة ثنتانِ وأربعونَ ليلةً، بعثَ اللهُ إليها مَلَكًا، فَصَوَّرهَا، وخَلَقَ سَمْعَها وبَصَرَهَا وجِلْدَهَا ولَحْمَها وعِظَامَها، ثمَّ قالَ: يا ربِّ أذكرٌ أم أُنثى؟ فيقضي ربُّكَ ما شاءَ، ويكتبُ المَلَكُ، ثم يقولُ: يا ربِّ أجلُه؟ فيقضي ربُّك ما شاء، فيكتب المَلَكُ، ثم يقول: يا ربِّ رِزْقُه؟ فيقضي ربُّك ما شاءَ. ويكتب المَلَكُ، ثم يَخرجُ الملَك بالصحيفةِ في يده، فلا يزيدُ على ما أُمرَ ولا يَنْقُصُ»٢.

  1. (١) أخرجه الإمام أحمد: ٤/ ٧، وفي طبعة الرسالة: ٢٦/ ٦٤ - ٦٥، وأخرجه مسلم في القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه: ٤/ ٢٠٣٦ - ٢٠٣٧ برقم (٢٦٤٥).
  2. (٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (٢٦٤٥).
369

وفي لفظ آخر: سمعتُ رسولَ الله ﷺ بأذنيَّ هاتَيْنِ يقول: «إنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ في الرَّحِم أَرْبَعِيْنَ ليْلَةً، ثمَّ يَتَسوَّرُ عليها المَلَكُ» قال زهير: حَسِبْتُهُ قالَ: «الّذي يَخْلُقُهَا، فيقولُ: يا ربِّ أذكرٌ أم أُنثى؟ فيجْعَلُهُ اللهُ ذكرًا أو أنثى، فيقولُ: يا ربِّ أسَوِيٌّ أمْ غيرُ سويٍّ، فيجعله الله سويًّا أو غيرَ سَوِيٍّ، ثم يقولُ: يا ربِّ ما رزقُه؟ وما أجَلُه؟ وما خُلُقُه؟ ثمَّ يجعلُه اللهُ شقيًّا أو سَعِيدًا»١.

وفي لفظٍ آخرَ: «أنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بالرَّحِم، إذا أرادَ اللهُ ﷿ أن يخلُقَ شيئًا بإذنِ اللهِ لِبِضْعٍ وأَرْبَعِينَ ليلةً ...» ثمَّ ذكر الحديث٢.

فاتَّفق حديثُ ابنِ مسعودٍ، وحديثُ حذيفةَ بن أَسيد، على حُدُوثِ شأنِ وحَالِ النُّطفة بعد الأربعينَ، وحديثُ حذيفةَ مفسَّرٌ صريحٌ بأنَّ ذلك يُكتَبُ بعد الأربعينَ قبلَ نَفْخِ الرُّوح فيه، كما تقدم في رواية البُخَاريّ.

وأما حديثُ ابنِ مسعودٍ، فأحدُ ألفاظِه موافقٌ لحديثِ حذيفةَ، وإنْ كان ذلك التقديرُ والكتابةُ بعد الأربعينَ قبلَ نفْخِ الرُّوحِ فيه، كما تقدَّم من رواية البُخَاريّ، ولفظُه: «ثمَّ يَبعثُ اللهُ إليه مَلَكًا بأربعِ كلماتٍ، فيكتب عمله، ورزقه، وأجلَه، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح». فهذا صريحٌ أنَّ الكتابةَ وسؤالَ الملَك قبلَ نفخِ الرُّوح فيه، وهو موافقٌ لحديثِ حذيفةَ في ذلك.

  1. (١) أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (٢٦٤٥).
  2. (٢) الموضع السابق نفسه.
370

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي