تحفة المودود

واختصَّ حديثُ ابنِ مسعودٍ بأنَّ نَفْخَ الرُّوْحِ فيه بعد الأربعينَ الثالثةِ.

واشتركَ الحديثانِ في استئذانِ المَلَكِ ربَّهُ - سبحانه - في تقدير شأنِ المولودِ في خلالِ ذلكَ، فتصادقتْ كلماتُ رسولِ الله ﷺ، وصدَّق بعضُهَا بعضًا.

وحديثُ ابنِ مسعودٍ فيه أمران: أمْرُ النُّطْفةِ وتنقُّلها، وأَمْرُ كتابةِ الملَك ما يقدِّر اللهُ فيها، والنبيُّ ﷺ أخبر بالأمْرَينِ في الحديثِ.

قال الإمامُ أَحْمَد: حدّثنا هُشَيْم، أنبأنا عليّ بنُ زيد، قال سمعت أبا عُتْبَةَ بنَ عبدِ الله يحدِّث قال: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ ﵁ قال رسولُ الله ﷺ: «إنَّ النُّطفةَ تكونُ في الرَّحِمِ أربعينَ يومًا على حَالهَا لا تتغيَّرُ، فإذا مضتْ له أربعونَ صارتْ عَلَقةً، ثم مُضْغَةً كذلك، ثم عظامًا كذلك، فإذا أرادَ أن يُسَوِّيَ خَلْقَهُ بعثَ اللهُ إليهِ المَلَكَ، فيقولُ الملَكُ الذي يليه: أيْ ربِّ أذكرٌ أم أُنثى؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ، أقصيرٌ أم طويلٌ، أناقصٌ أم زائدٌ، قُوْتُهُ وأَجَلُهُ، أصحيحٌ أم سقيمٌ؟» قال: «فيَكْتبُ ذلك كلَّه»١.

  1. (١) أخرجه الإمام أحمد: ١/ ٣٧٥ وفي طبعة الرسالة: ٦/ ١٣ - ١٤. وإسناده ضعيف ومنقطع، أبو عبيدة بن عبدالله لم يسمع من أبيه، وعلي بن زيد بن جدعان ضعيف. وانظر: فتح الباري: ١١/ ٤٨١.
372

فهذا الحديث فيه الشِّفاءُ. وإنَّ الحادثَ بعد الأربعينَ الثالثةِ: تسويةُ الخلْقِ عند نفخِ الرُّوح فيه.

ولا ريب أنَّه عند نفخِ الرُّوح فيه وتَعَلُّقِهَا به يَحدُثُ له في خلْقه أمورٌ زائدة على التخليق الذي كان بعد الأربعينَ الأُولى، فالأوَّلُ كان مبدأَ التخليقِ. وهذا تسويتُه وكمالُ ما قُدِّر له، كما أنَّه - سبحانه - خلقَ الأرضَ قبل السماء، ثم خلقَ السماءَ، ثم سوَّى الأرضَ بعد ذلك، ومهَّدَها وبَسَطَها، وأكْمَلَ خَلْقَها، فذلك فِعْلُه في السَّكَن، وهذا فِعْلُهُ في السَّاكن. على أن التَّخليقَ والتَّصويرَ ينشأُ في النُّطفة بعد الأربعينَ على التَّدريج شيئًا فشيئًا، كما ينشأ النباتُ، فهذا مشاهَدٌ في الحيوان والنّباتِ، كما إذا تأمَّلتَ حالَ الفرُّوجِ في البَيْضَةِ، فإنَّما يقعُ الإشْكالُ مِن عَدَم فَهْم كلامِ الله تعالى ورسُولِهِ ﷺ، فالإشكالُ في أفهامنا، لا في بَيَانِ المعصومِ، واللهُ المسْتَعَانُ.

وقد أغناك هذا - بحمد الله - عن تكلُّف الشَّارحينَ، فتأمَّلْهُ ووَازِنْ بينَه وبينَ هذا الجَمْعِ، وبالله التَّوفيقُ.

فصل

وقد قال بُقْراط في «كتاب الغذاء»: تصوير١ الجنين يكون في خمسة وثلاثين يومًا، وحركتُه في سبعين صباحًا، وكمالُه في مائة وعشرة

  1. (١) في (ب، ج): تصور.
373

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي