تحفة المودود

فهذا الحديث فيه الشِّفاءُ. وإنَّ الحادثَ بعد الأربعينَ الثالثةِ: تسويةُ الخلْقِ عند نفخِ الرُّوح فيه.

ولا ريب أنَّه عند نفخِ الرُّوح فيه وتَعَلُّقِهَا به يَحدُثُ له في خلْقه أمورٌ زائدة على التخليق الذي كان بعد الأربعينَ الأُولى، فالأوَّلُ كان مبدأَ التخليقِ. وهذا تسويتُه وكمالُ ما قُدِّر له، كما أنَّه - سبحانه - خلقَ الأرضَ قبل السماء، ثم خلقَ السماءَ، ثم سوَّى الأرضَ بعد ذلك، ومهَّدَها وبَسَطَها، وأكْمَلَ خَلْقَها، فذلك فِعْلُه في السَّكَن، وهذا فِعْلُهُ في السَّاكن. على أن التَّخليقَ والتَّصويرَ ينشأُ في النُّطفة بعد الأربعينَ على التَّدريج شيئًا فشيئًا، كما ينشأ النباتُ، فهذا مشاهَدٌ في الحيوان والنّباتِ، كما إذا تأمَّلتَ حالَ الفرُّوجِ في البَيْضَةِ، فإنَّما يقعُ الإشْكالُ مِن عَدَم فَهْم كلامِ الله تعالى ورسُولِهِ ﷺ، فالإشكالُ في أفهامنا، لا في بَيَانِ المعصومِ، واللهُ المسْتَعَانُ.

وقد أغناك هذا - بحمد الله - عن تكلُّف الشَّارحينَ، فتأمَّلْهُ ووَازِنْ بينَه وبينَ هذا الجَمْعِ، وبالله التَّوفيقُ.

فصل

وقد قال بُقْراط في «كتاب الغذاء»: تصوير١ الجنين يكون في خمسة وثلاثين يومًا، وحركتُه في سبعين صباحًا، وكمالُه في مائة وعشرة

  1. (١) في (ب، ج): تصور.
373

أيام، ويتصوَّر أجنَّة أُخَر في خمسين صباحًا، ويتحركون التحرُّك الأول في مائة صباح، ويكملون في ثلاثمائة، ويتصور أجنة أُخَر في أربعين صباحًا، ويتحركون في ثمانين صباحًا، ويولدون في مائتين وأربعين صباحًا، ويتصور أجنة أخر في خمسة وأربعين صباحًا، ويتحركون في تسعين صباحًا، ويولدون في مائتين وسبعين صباحًا.

قال: فأما الولادة فتكون في الشهر السَّابع والثامن والتاسع والعاشر.

قلت: الحركة حركتان: حركة طبيعيَّة غير إراديَّة، فهذه قد تكون قبل تعلُّق الروح به، وأما الحركة الإراديَّة فلا تكون إلا بعد نفخ الروح.

ولهذا فرَّق بقراط بين التحرُّك الأول والثاني.

قلت: الذي دلَّ عليه الوحي الصَّادق عن خالق١ البشر، أنَّ الخلق ينتقل في كل أربعين يومًا إلى طور آخر، فيكون أولًا نطفة أربعين يومًا ثم عَلَقَة كذلك، ثم مُضْغَةً كذلك، ثم ينفخ فيه الروح بعد مائة وعشرين يومًا. فهذا كأنك تشاهده عِيَانًا، وما خالفه فليس مع المخبِر به عِيان، وغاية ما معه قياس فاسد، أوتشريح لا يحيط علمًا بمبدأ٢ ما شاهده منه، أو تقليد لواحد غير معصوم٣، وكل من جاء به مشى خلفه فيه، فيعتقد المعتقِد أن هذا أمر متفق عليه بين الطبائعيين. وأصله كلُّه

  1. (١) في «أ، ج، د»: خلاق.
  2. (٢) في «أ، ج، د»: بمبدأ يكون.
  3. (٣) في «د»: أو تقليدًا لواحد معصوم. وفي «ج»: لواحد معصوم.
374

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي