تحفة المودود

على الأَخْلَق والأَوْلى والأنسب.

وأحال به آخرون على حركات الكواكب وتنقلها، وأحال آخرون على١ أيام البحارين وتغيُّر الطبيعة فيها، وردَّ بعض هؤلاء على بعض، وأبطل قوله بما تركناه مخافة التطويل.

وأصحُّ ما بأيديهم: التشريح والاستقراء التام الذي لا يُخْرَم. ونحن لا ننكر ذلك، ولكن ليس فيه ما يخالف الوحيَ عن خلاف٢ الأجنة أبدًا.

ومما يدلُّ على أن القوم لم يخبروا في ذلك عن مشاهدة: قولهم إنَّ الجنين الذي يُولد في الشهر السَّابع يصير ديديًّا٣ في تسعة أيام، ودمويًّا في ثمانية أيام أُخَر، ولحميًّا في تسعة أيام أخَر، ويقبل الصورة في اثني عشر يومًا أُخَر، فإذا اجتمعت هذه الأيام صارت خمسة وثلاثين يومًا، فجعلوه مضغة في الأربعين الأولى. وهذا كذب ظاهر قطعًا، وإنما يصير لحميًّا بعد الثمانين، ومثل هذا لا يُدرك إلا بوحي أو مشاهدة، وكلاهما مفقود عندهم، وإنما بأيديهم قياس اعتبروا به أحوال الأجنَّة من شهور ولادها، فحكموا على كل جنين ولد في شهر من شهور الولادة، على أنه ينبغي أن يكون ديديًّا، أي: نطفة، كذا وكذا يومًا،

  1. (١) «حركات .. آخرون على» ساقط من «أ، ب».
  2. (٢) كذا في جميع النسخ الخطية، ولعلها: خلق.
  3. (٣) في (أ، ج): زيديًا. وسيأتي أن معناها: نطفة.
376

ودمويًّا، أي: علقة، كذا وكذا يومًا، ولحميًّا، أي: مضغة، كذا وكذا يومًا، ثم أضعفوا ذلك العدد، وجعلوه وقت تحرك الجنين، وكذبوا في ذلك على الخلَّاق العليم في خلقه، كما كذبوا عليه في صفاته وأسمائه، فإن القوم لم يكن لهم نصيب من العلم الذي جاءت به الرسل، بل كانوا كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النساء/ ٨٣].

وما غاية ما يناله المنكِرُ١ المعرِضُ عمَّا جاءت به الرسل، وغاية ما نالوا به علمًا بأمور طبيعيَّة فيها الحقُّ والباطل، وأمور رياضية كثيرة التعب، قليلة الجدوى. وأمورُ الهيئة باطلُها أضعافُ أضعافِ حقِّها، فأين العلم المتلقَّى من الوحي النازل إلى الظن المأخوذ عن الرأي الزائل؟ وأين العلم المأخوذ عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله ﷿، إلى الظن المأخوذ عن رأي رجل لم يَسْتَنِرْ قلبه بنور الوحي طرفة عين، وإنَّما معه حَدْسُه وتخمينه؟ ونسبةُ ما يدركه العقَلاء قاطبة بعقولهم إلى ما جاءت به الرسل، كنسبةِ سراجٍ ضعيف إلى ضوء الشمس، ولا تجد ولو عُمِّرت عُمْر نوح مسألةً واحدة أصلًا اتَّفَق فيها العقلاء كلُّهم على خلاف ما جاءت به الرسل في أمر من الأمور البتة، فالأنبياء لم تأت بما يخالف صريح العقل البتة، وإنما جاءت بما لا يدركه العقل، فما جاءت به الرسل مع العقل ثلاثة أقسام لا رابع لها البتة: قسم شهد به العقل والفطرة، وقسم يشهد

  1. (١) في «أ»: الكفر، وفي «ب»: الفكر.
377

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي