وفيه قول ثان: وهو أن مدة الحمل قد تكون ثلاث سنين، رُوِّينا عن الليث بن سعد، أنه قال: حملت مولاة لعمر بن عبد الله ثلاث سنين.
وفيه قول ثالث: إن أقصى مدته أربع سنين، هكذا قال الشّافِعِيّ ﵀»١.
قلت: وعن الإمام أَحْمَد ﵀ روايتان: إحداهما: أنه أربع سنين، والثانية: سنتان٢.
قال٣: «واختلف فيه عن مالك، فالمشهور عنه عند أصحابه مثل ما قال الشّافِعِيّ، وحكى ابن الماجشون عنه ذلك، ثم رجع لمَّا بلغه قصة المرأة التي وضعت لخمس سنين.
وفيه قول آخر: أن مدة الحمل قد تكون خمس سنين، حُكِيَ عن عَبَّاد ابن العوَّام أنه قال: ولدت امرأة معنا في الدار لخمس سنين، قال: فولدته وشعره يضرب إلى ها هنا، وأشار إلى العنق، قال: ومرَّ به طير فقال: هش. وقد حُكِي عن ابن عجلان أن امرأته كانت تحمل خمس سنين.
وفيه قول خامس قاله الزُّهْرِيّ٤: إن المرأة تحمل ست سنين،
(١) في الإشراف على مذاهب العلماء: ٥/ ٣٤٧.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة: ١١/ ٢٣٢.
(٣) الإشراف: ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨.
(٤) في «ب»: قال الأزهر. ولعلها: قال الزهري.
وسبع سنين، فيكون ولدها محشوشًا١ في بطنها. قال: وقد أُتي سعيد ابن مالك٢ بامرأة حملت سبع سنين.
وقالت فرقة: لا يجوز في هذا الباب التحديد والتوقيت بالرأي، (لأنَّا وجدنا لأدنى الحمل أصلًا في تأويل الكتاب، وهو الأشهر الستة)٣، فنحن نقول بهذا ونتبعه، ولم نجد لآخره وقَتًا.
وهذا قول أبي عُبَيْد، ودفعَ بهذا حديثَ عَائِشَةَ، وقال: المرأة التي رَوَتْهُ عنها مجهولةٌ.
وأجمع كلُّ من يُحْفَظُ عنه من أهل العلم: أنَّ المرأة إذا جاءت بولدٍ لأقلَّ من ستةِ أشهرٍ من يومِ تَزوَّجَها الرجلُ: أنَّ الولدَ غير لَاحِقٍ به، فإن جاءت به لستة أشهرٍ من يوم نَكَحَهَا: فالولدُ له».
وهذا وأمثاله يدل على أن الطبيعة - التي هي نص٤ سير الطبائعيين - لها ربٌّ قاهر قادرٌ يتصرَّف فيها بمشيئته، وينوِّع فيها خَلْقَه كما يشاء ليدلَّ مَنْ له عقلٌ على وجودهِ ووحدانيتِه وصفاتِ كمالِه ونُعوتِ جلالِه، وإلا فمِنْ أين في الطبيعة المجرَّدة هذا الاختلاف العظيم والتباين الشديد؟
(١) في «أ»: مغشوشًا وفي (ج، د): مخشوشًا. وهو تحريف. وراجع: لسان العرب: ٦/ ٢٥٨.